المشاركات

بكاء العصفور (قصة قصيرة)

صورة
  مع إشراقة الصباح الباكر، خرج العصفور الصغير وقد ملأ قلبه توكلا على الرحمن. انطلق محلقا في الفضاء الرحب، يرفرف بجناحيه بريشٍ يعبق بالحرية، يمرح بين الأشجار ويهفو بين البيوت، باحثا عن رزق يسد به جوع أفراخه الصغار. لم يضع نفسه في المقدمة، بل جعل همه أولاده قبل ذاته، يحمل الحكمة من كل مشهد يراه، والعبرة من كل قصة يعايشها في رحلته اليومية، ليعلمها لأبنائه حين عودته. عاد مع غروب النهار وقلبه يشتعل شوقا إلى عشه، يتوق إلى لمحة من عيون صغاره، وهمساتهم البريئة، ودفء اللقاء. لكنه حين وصل، وجد العش خاويا، والأغصان مبعثرة، والبيت مهدما بلا أثر للأبناء. جن العصفور، وأخذ يطوف المكان باحثا، يتحسس رائحة صغاره في الهواء، يتساءل بمرارة: أين ذهب الحلم الجميل؟ وأين اختفى المستقبل الذي كان ينتظره؟ وبعد طول بحثٍ أدرك الحقيقة الموجعة: لقد التهمت قسوة البشر أو طمع الوحوش أحلامه الصغيرة. ربما هدم اللصوص العش على رؤوس أفراخه، أو اختطفهم عدو لا يعرف للرحمة معنى. عندها رفع العصفور بصره إلى السماء، يطلب العون من رب العباد، ويستمد الصبر من رحمته. انفجر باكيا بكاء مرا ارتجت له أركان الغابة، متمنيا لو أنه يودع ص...

الظلم

صورة
يظل الظلم هو الوجه القاتم الذي يطغى على حياة الشعوب، خاصة في بلاد العالم الثالث والدول الفقيرة الممزقة على وجه الأرض. لقد خلق الله الإنسان مكرّما، لكن المفارقة المريرة أن التاريخ البشري منذ بدايته حافل بسيطرة الجائرين والمتسلطين، الذين جعلوا من الباطل راية، ومن التعدي على الحقوق والأنفس والأعراض قاعدة، ومن محاربة الدين ورجاله وسيلة لتثبيت سلطانهم. صار الاعتراض على الظلم جريمة، والمطالبة بالحق خروجا على القانون، والبحث عن العدالة ثورة تستوجب الدماء والسجون والقيود. فالكلمة الصادقة تخنق، والحناجر الحرة تقيد، والأيدي المرفوعة تقطع، والعيون التي تبصر الأمل تطفأ بالرصاص، والأرواح النقية تنفى في المنافي المظلمة. وهكذا تحول الإنسان الكريم الذي كرمه الله إلى مخلوق مقهور يلاحقه الخوف والتهديد. سطوة الظلم الظالم ينصّب نفسه ملكا متجبرا، يأمر فيطاع، ويمتلك زمام القوة، وسيف البطش، ورمح الغدر. يبطش كيف شاء، ويستعبد من شاء، بينما الطيور في السماء تبكي من قسوة ما يجري على الأرض. الأبرياء يساقون إلى المشانق والزنازين، وتقطع الأرحام عن نور الشمس والقمر، لتسود شهوة السلطة والجاه التي لا يشبع منها المتسلط...

لقاء الأحبة

صورة
تسعد القلوب حين يحين موعد اللقاء بعد طول غياب، وتنتفض الأحلام التي ظننا أنها بعيدة المنال وكأنها على وشك أن تتحقق على أرض الواقع. هناك على الضفة الأخرى، تقف الحبيبة تنتظر، تتلقف الهمسات القادمة بشغف، وتشتاق الشفاه إلى قبلة اللقاء، وتتعانق الأرواح قبل أن تتعانق الأجساد. لقد أكل الغياب من أعمارنا، وكاد أن يطفئ جذوة الحب في القلوب، لكن الشوق أبى أن ينكسر. مرّت بنا سنوات عجاف، أنهكتنا قسوة الزمن، وشابت أرواحنا قبل الأوان، وتبددت ظنون كانت تترقب فرجا بعد وباء عم الأرض، فإذا بالموت يصبح أمرا يسيرا مألوفا، والخوف على العمر يثقل الليالي بالسهر والتفكير. صرنا نتساءل: هل نسلك طريق العودة حيث الدفء، أم نواصل الانتظار في غربةٍ لا ترحم؟ جسومنا أنهكها المرض، والدموع انسكبت أنهارا، والنوم جافى العيون، حتى بتنا مقهورين ننتظر المجهول. كفانا شقاء في بلاد بعيدة وثقافات غريبة، حيث يشترى الرخيص بأغلى الأثمان، بينما وجودنا بجوار الأحبة أغلى من كل ذهب الدنيا. تمر السنوات في الغربة ثقيلة كالدهور، ويظل مرسال الحنين يطرق القلوب سائلا: أين الأحبة؟ أين الحبيبة؟ لكن ما الذي ينتظرنا هناك؟! لقد باعونا الوهم في الموا...

فريال أشرف.. بطلة الذهب الأوليمبي

صورة
عجز القلم عن اللحاق بفيض المشاعر، وغلبت نشوة القلب كل الكلمات، حين ارتفعت ابنة مصر الغالية، فريال أشرف عبد العزيز، فوق منصة التتويج في أولمبياد طوكيو 2020، متوشحة بالذهب، لتكتب بمداد العز أول سطر نسائي مصري في كتاب البطولات الأوليمبية. لحظة تاريخية أثبتت للعالم أن المرأة المصرية لا تكسر، وأنها قادرة على تحطيم المستحيل وتخطي كل الحواجز. إنجاز بحجم الوطن لقد كان إنجاز فريال ثمرة عزيمة لا تلين، ودعوات شعب بأكمله حملها في قلبه حتى صارت حقيقة أبهرت العالم. دموع المصريين امتزجت بالفرح والفخر، بعد سنوات من الحرمان من لحظات النصر، فرفرفت أعلام مصر عالية بفضل ابنة النيل التي حولت الجهد والمعاناة إلى صفحة مضيئة في تاريخ العرب الأوليمبي. التعب والمشقة طريق المجد لم يكن طريق البطلة ممهدا ولا سهلا، فقلة الإمكانيات وضعف الدعم والإعداد لم تكن عائقا أمام روحها الصلبة. سهر الأهل، تضحيات الأسرة، والمثابرة في الجمع بين العلم والتدريب، كلها وضعت لبنة بعد أخرى في جدار الإنجاز. هنيئا لوالديها اللذين أنجبا ابنة مصرية حملت الخلق والعلم والرياضة في مزيج نادر. لقد أكدت فريال أن مصر ما زالت ولادة بأبنائها وبناته...

الحزن...

صورة
  الحزن شعور إنساني عميق، يترك بصماته القاسية على القلب أكثر من أي عضو آخر في الجسد. فهو إحساس بالانكسار والخيبة والعجز، يقابل الفرح ويغمر الإنسان من رأسه حتى قدميه. قد ينشأ الحزن من فقدان عزيز، أو ضياع فرصة ثمينة، أو عجز عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، وقد يأتي من صدمة نفسية أو جسدية، أو حتى من موقف يهين الكرامة ويجبر الإنسان على ما لا يريد. أحيانا يكون سببه اشتياقا مؤلما لولد لم يرزق به صاحبه بعد، أو عقم حرمه الله تعالى منه، فيتحول الانتظار إلى لوعة صامتة. يصحب الحزن غالبا البكاء، الانعزال، الميل إلى الاكتئاب، ضعف التفاعل مع الناس، والتفكير المرهق الذي قد يمتد لساعات أو سنوات. وبما أن الجسد البشري هش، فإن اختلال توازن النفس يترك أثره على البدن بأكمله، وقد يقود إلى الإحباط، ضعف الثقة، وحتى الإحساس بأن الحياة توقفت. وهنا يصبح الخطر في الاستسلام لهذا الإحساس الذي يفرغ المرء من الداخل ويجعله أسيرا للوحدة واليأس. ولأن الحزن جزء من طبيعة البشر، فقد عده علماء النفس أحد المشاعر الستة الأساسية التي حددها بول إيكمان: السعادة، الحزن، الغضب، الدهشة، الخوف، والاشمئزاز. كما اعتبره علماء ال...

البخل وصهر المال (قصة قصيرة)

صورة
كان يعيش في المدينة رجل لا يعرف من الحياة إلا جمع النقود، كأنها ماء حياته وهواء أنفاسه. ضيّق على نفسه وأطفاله، وأغلق أبواب بيته في وجه الضيف والفقير، حتى غدت الدموع أرحم بأهله من يديه. وذات ليلة، خطرت له حيلة شيطانية. أمام بيته عمود حديدي أجوف، يرفع الأسلاك إلى السماء. قال في نفسه: هنا لا تصل الأعين، ولا تطول الأيدي. ومنذ ذلك الحين صار، كلما غفا أهله وغرق الليل في سكونه، يصعد إلى الشرفة ويلقي بالنقود داخل ذلك العمود، حتى صار جوفه كخزانة حديدية تبتلع ما يملك. مرت الأعوام، والعمود المرهق بالمال والصدأ صار خطرا على المارة، يمسه طفل أو امرأة فيرتعش جسده بتيار الموت. فشكا أهل الحي إلى السلطات، فجاء العمال، واقتلعوا العمود من جذوره، ثم حملوه إلى أتون الصهر. وحين اشتعلت النيران في الحديد، ذاب معه كل ما أُلقي في جوفه، حتى النقود التي كادت تملأه عن آخره. لم يشك أحد أن في داخله سرا، فقد غطى البخيل فوهته بأعشاب جافة، فأوهموا أنفسهم أنه عش طيور. وهكذا ذابت النار المال والحديد معا، كأنها تأكل قلب البخيل دون أن يدري. عاد الرجل إلى بيته فوجد زوجته فرِحة تقول: – لقد وضعوا عمودا جديدا معزولا، لن يخاف أ...

حقوق الإنسان في العالم الثالث.. مأساة لا تنتهي

صورة
  في عالمنا الثالث، بلا فخر، تتصدر أوطاننا قوائم القمع وانتهاك الكرامة. حيث يهان الإنسان، وتكمم الأفواه، وتقيد الأقدام، وتحجب شمس الحرية عن العيون. في حين تباع السلع الغذائية بأثمان باهظة، يباع الإنسان نفسه بثمن بخس في أسواق النخاسة الحديثة، من أجل كراسي زائلة وعروش بالية. لقد كرم الله الإنسان وجعله في أحسن صورة، لكن بعض الطغاة لا يروق لهم ذلك، فيصرون على تحويله إلى عبد وخادم، ويزرعون التفرقة بين الأديان والأعراق والألوان والمذاهب. هكذا ضاعت معاني الإنسانية، وسحقت تحت أقدام المصالح الحقيرة. كرامة الإنسان بين النصوص والواقع الإسلام جاء منذ قرون ليقضي على العبودية ويحفظ للإنسان كرامته، لكننا اليوم نعيش عبودية من نوع جديد. فالضمير الإنساني نفسه حبس في صدورنا، وصوت العقل طمس بالأقفال التي صنعناها بأنفسنا وسلمناها للمتسلطين عن طيب خاطر. أين السعادة في عالم يموت فيه الجار جوعا؟ أين السعادة والدواء مفقود، والبطون تصرخ من ندرة الغذاء، والأرض عطشى لا ماء فيها؟ أين السعادة وأبناء الناس مفقودون، وأمهاتهم لا يغمض لهن جفن؟ أين السعادة حين تهاجم القيم الدينية، ويسخر الإعلام لتشويه الإسلام والتشك...

كلنا فداك يا حبيبي يا رسول الله

صورة
منذ أن خفق قلبي لأول مرة، ملأه الله بحبك يا رسول الله، فوجهك المنير بالبشرى والهداية كان النور الذي أضاء دربي، وجاءني بردا وسلاما. لقد بعثك الله رحمة للعالمين، وسراجا منيرا، ورفع قدرك في كتابه الكريم حين خاطبك بأعظم الأوصاف: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} و{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، ولقبك بـ {المُدَّثِّر} و{المُزَّمِّل}. وجعل اسمك مقترنا باسمه في قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ...}. الحمد لله الذي هدانا بدينك القويم، وأرشدنا إلى طريق مستقيم. يا رسول الله، أفديك بنفسي وأهلي وأبنائي جميعا، فأنت الذي خصك الله بالمعجزات، فكانت بين يديك الكريمة، وعينيك المضيئة، ويوم الإسراء والمعراج أراك من الآيات الكبرى ما لم يره أحد من قبلك، وأكرمك برحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى، ثم إلى السموات العلى، حيث فرضت الصلاة، عماد الدين، رحمة وتخفيفا لأمتك. ومن معجزاتك انشقاق القمر، فكانت آية لأهل مكة، ومع ذلك كفروا. وكنت يا رسول الله صادقا أمينا حتى في زمن الجاهلية، فإذا اختلفوا جعلوك الحكم بينهم، فأنت القدوة في الصدق والأمانة والأخلاق والعدل والرحمة والشجاعة. لقد جئت لتعلمنا أن الإسلام...

الحرية… بين القيود ومحاولات النبش عليها من تحت الركام

صورة
تحرر الإنسان منذ أزمان بعيدة من حياة الغابات، لكنه ما زال أسير محاولات البعض لإبقائه فيها مدى الحياة. لقد بحثت البشرية عن الحرية طويلا، لكنها في كثير من المراحل فقدت أثرها نتيجة أسباب متعددة، جعلت الكرامة تباع بأبخس الأثمان، وأصبح مصير الإنسان إما حياة بكرامة مرفوعة أو ذل يطأ الرؤوس بلا رحمة. الحرية هي الأصل، وهي أساس كل نهضة وتقدم. وبدونها يتحول الإنسان إلى عبد لأفراد أو أنظمة أو جماعات، يفقد القدرة على التفكير والإبداع، ويساق كقطيع نحو هاوية واحدة لا محيد عنها. يتساقط من أمامه في الطريق، ومع ذلك لا يتعظ، بل يلحق به تحت وطأة الخوف والسوط المسلط عليه، وكأن المصير المحتوم قدر لا فكاك منه. النفس البشرية متناقضة؛ فالكل يتغنى بالحرية ويهتف باسمها، لكن كثيرين يبيعونها مقابل لقمة عيش أو رفاهية زائلة. البعض يتنازل عنها طوعا، مفضلا "السلامة" والعيش بجانب الحائط، بدافع خوف دفين يجعله فريسة سهلة لمن ينهشه. وهكذا صار بناء المستقبل حلما بعيد المنال، وساد السكوت واللامبالاة وحب الذات، وضاعت قيم الرحمة والتكافل والتعاون. دفنت الكلمة الحرة في عز النهار، وصودر الرأي الآخر، وأضحى الإنسان كالم...

قطار الغربة

صورة
ما الجدوى من الاستمرار في الغربة، إذا ما فقد الإنسان قوته الجسدية، وصفاءه الذهني، وتوازنه النفسي لمواصلة هذا المشوار الطويل المليء بالمخاطر؟ أهو بريق المادة والطمع في المزيد من المال، أم هو القلق على مستقبل الأبناء وربما الأحفاد؟ الغربة طاحونة لا ترحم، تدور بلا توقف، وتطحن كل من يمر بدروبها؛ تسرق فيها الأعمار، ويظهر الشيب مبكرا كعلامة قاسية على عذاب السنين. وكل قطار له محطة نهائية، إلا قطار الغربة، فلا أحد يعرف متى يتوقف، أو كيف ينزل منه. قد يظن المرء أنه يهرب من سجن ضيق في وطنه، فإذا به يلقى نفسه في سجن أوسع في الغربة، مقابل حفنة من الأموال قد لا تكفي. وربما يعود في النهاية إلى سجنه الأول، مثقلا بذكريات الرحيل وأوجاع الفراق. بكاء الأهل والأبناء عند لحظة الوداع يظل محفورا في الذاكرة، يرافق الغريب طوال رحلته. وحتى إن اجتمع بأسرته في بلاد الاغتراب، فإن مصيره ومصير أبنائه في النهاية هو العودة. لكن تلك العودة تكون مثقلة بفقدان الأبناء شعور الانتماء، وضياع العادات والتقاليد، فيصبحون غرباء في وطنهم الأم، يحتاجون وقتا طويلا ليستعيدوا ملامحهم الأولى. البناء خارج الوطن مهما كبر لا يضاهي شعور ال...

مستنقع الخيانة

صورة
  مهما اختلفت الأسباب وتعددت الذرائع، تبقى الخيانة خيانة لا وجه لها إلا القبح. هناك من يخون دينه، ومن يخون وطنه، ومن يخون عهد زوجته، أو كرم أهله، أو حتى براءة نفسه. إن أخطر ما في الخيانة أن ينطق بها اللسان قولا وتترجمها الجوارح فعلا، فتتحول إلى واقع يلطخ صاحبه بالعار. قد تكون المادة، والركض وراء المال، أو قسوة الظروف الاقتصادية، أو الرغبة في الانتقام أسبابا للخيانة. وقد يكون ضعف التربية، وانهيار القيم والمبادئ، وضياع الأمانة، والتفكك الأسري، واتباع الشطحات الفكرية الواهية، والتأثر بالثقافات الدخيلة، أسبابا أخرى لا تقل خطورة. وفي كل الأحوال يقف الطمع كاللافتة البارزة في طريق الخيانة، يشجع عليها ويغوي إليها، فالإنسان بطبعه يطمع فيما في يد غيره إلا من عصمه الله. ومن دوافع الخيانة أيضا الوحدة والفراغ النفسي والعاطفي، ومجالسة رفاق السوء، من الإنس أو الجن، ممن يمدون أصحاب النفوس الضعيفة بالوقود اللازم للانزلاق نحو هاوية الخيانة. لكن تبقى أعظم صور الخيانة وأشدها وقعًا هي خيانة الدين الإسلامي، والتآمر عليه، والتغاضي عن مقدساته، والتقارب مع أعدائه بوجه بشوش وابتسامات زائفة، وكأن دماء الماضي...

مقتل جورج فلويد

صورة
ما زالت الحرية، بكل ما تحمله من معان سامية، حلمًا بعيد المنال رغم الشعارات البراقة التي ترفعها كثير من الدول. فكم من أنظمة تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي أول من يدوس هذه المبادئ تحت الأقدام، متخذة منها وسيلة للضغط السياسي وتحقيق المكاسب على حساب الضعفاء والمقهورين. نحن في القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك نشهد ممارسات تعيدنا إلى عصور الظلام، حيث يسود الجهل والتعصب ويستخدم القمع كسلاح لتقييد الشعوب. باسم الأمن القومي تقمع الأصوات، وباسم حماية الدولة تنتهك الحقوق، في حين يتباهى الزعماء بخطب رنانة لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به. حادثة مقتل جورج فلويد لم تكن مجرد جريمة، بل علامة فارقة في كشف زيف الادعاءات. فلويد، المواطن البسيط، قتل بوحشية تحت ركبة شرطي بلا رحمة ولا ضمير، في مشهد هز الضمير الإنساني. ليست هذه الجريمة الأولى ضد ذوي البشرة السوداء، لكنها كانت الشرارة التي أيقظت الغضب المكبوت، وجعلت الملايين ينزعون عنهم عباءة الخوف لينطلقوا في مظاهرات عارمة امتدت من الولايات المتحدة إلى مختلف بقاع العالم. هذه المرة كان المشهد مختلفا؛ فقد خرج البيض والسود جنبًا إلى جنب، ليؤكدوا أن الإ...

عندما يبكي الرجل بين أحضان زوجته (قصة قصيرة)

صورة
أحمد، شاب تخرج في كلية التربية قسم اللغة العربية، وعاد ليعمل مدرسا في إحدى المدارس الحكومية، حاملا حلم تربية الأجيال ونشر العلم. وبعد سنوات، تزوج ورزق بثلاثة أبناء: ولدين وبنت، لتزداد أعباء الحياة ومتطلباتها، ويصبح راتبه الضئيل عاجزا عن الوفاء بحاجات أسرته. فكّر كثيرا في السفر بحثا عن رزق أوسع. وبعد محاولات لم يجد فرصة عمل تناسب تخصصه، فاضطر إلى قبول عقد كحارس أمن في إحدى دول الخليج. لم يكن يتخيل ما ينتظره هناك؛ فوظيفته الجديدة كانت أدنى المراتب، تقارب في المكانة عامل النظافة، ومليئة بالأوامر القاسية والقيود الثقيلة. ساعات العمل تجاوزت الأربع عشرة يوميا، بلا احترام ولا تقدير. حاول أن يقنع نفسه بالصبر لثلاثة أشهر، لكنه لم يجد سوى مرارة الفارق بين مكانته كمرب للأجيال في وطنه، وبين ما أصبح عليه الآن. كان قلبه يتألم، وعقله يتساءل: "أهكذا ينتهي بي المطاف؟" نصحه زملاؤه أن يصبر عاما كاملا على الأقل حتى يسدد ما أنفقه في إجراءات السفر، لكنه لم يطق. رفع سماعة الهاتف واتصل بزوجته، وصوته متهدج بالدموع، حكى لها تفاصيل غربته ومعاناته، ثم بكى بكاء مريرا لم يذق مثله من قبل. وبحنان الزوجة وال...

ديون واجبة السداد

صورة
لقد ارتفعت الصرخات وتعالت المطالب، وضاقت الصدور بالحزن، وارتبكت العقول في زمن كشف المستور وحان فيه وقت الحساب، حيث لا بد من رد الحقوق إلى أصحابها. أجساد غاصت في بحار المعاصي والآثام، وقلوب أُغرقت في صمت مريب وقهر لا يرحم، بينما شياطين الإنس والجن فرحت بالفساد والبعد عن التوبة والخشوع. الدعاء صار أمنية أخيرة، والخوف كبل ألسنة الصالحين، فأرعبت النفوس بسطوة القوة وسط صمت مذل، حتى اعتادت الأجساد على الضربات ورفعت راية الاستسلام. حرمان من أبسط مقومات الحياة؛ جوع وعطش وصوت ينطق زورا، بينما غاب الدفاع عن المظلومين باليد أو بالقلب. نام الفقراء في العراء عراة، وتدثروا بالتراب حين اشتدت البرودة، كالأموات على ظهر الحياة. أما وسائل النقل التي كان من المفترض أن تخفف عن البسطاء، فقد تحولت إلى أبواب للعذاب، تفجيرا وحرقا، لتصعد الأرواح إلى بارئها تشكو ظلم قلة باغية تصدرت المشهد، بينما تعرت الحقائق أمام الأشهاد. خيرات الأرض أُعطيت لأهل القمة، أما الفقراء والغارمون وطالبو الستر فلم يسدد عنهم دين، ولم ينصفوا بنصيبهم مما تنبت الأرض. الشمس اشتدت بحرارتها بلا ظل يقي الوجوه، والقمر حزن حتى كاد أن يمتنع عن ال...

طعام خفافيش الظلام

صورة
من المسؤول عن ضياع أحلامنا؟ ماذا أرادوا بنا؟ ولماذا تلاعبوا بمصائرنا حتى شردونا، وجعلونا نطأ التراب بجباه ذليلة على ظهر الحياة؟ لصالح من اصطادونا واحدا تلو الآخر كالطيور البريئة؟ أنتجوا لنا أفلاما ومسلسلات مكرورة، تعيد نفس الأفكار، وتظهر بطلاً مغوارا يخلص الناس من المستنقع، بينما هو في الأصل جزء منه! طحنونا في مطاحنهم بلا رحمة، قيدوا أقدامنا بالسلاسل وأيدينا بالحديد حتى تقطعت شراييننا، شوهوا عقولنا عن سابق إصرار، وقسمونا طوائف وأحزابا وجماعات، بينما النتيجة واحدة: جياع يبحثون عن لقيمات، وأقلية من العصابات تنعمت بالخيرات. كل من نادى بالحرية أُودع وراء القضبان، محروما من شمس النهار وضوء القمر. حل الظلام، فخرجت البومات تصرخ بأقبح الأصوات على الشاشات والميكروفونات. انتشر اللصوص كالجراد، يلتهمون الأخضر واليابس، حتى أصبحنا – بكل مرارة – طعاما لخفافيش الظلام. الخوف صار أسلوب حياة، فالجميع يتوارى خلف الحيطان. جفت الأقلام الشريفة، وكثرت أقلام الإفك والضلال. بأيدينا صنعنا فراعين جددا، ثم سمحنا لهم أن يضعونا في توابيت الصمت. الألسنة التي نطقت يوما بالحق تحولت إلى أبواق للنفاق، والمروءة اختفت من ا...

الوفاء

صورة
الوفاء قيمة عظيمة، به تزهر الحياة وتكتسب معناها. هو حفظ الجميل ورده لأهله، وهو من أنبل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان. لكن المؤسف أن هذه القيمة أخذت تتلاشى بين البشر، حتى صار كثير منهم أقرب إلى الذئاب الغادرة منها إلى أصحاب العهود. وإذا تأملنا في عالم الحيوان، نجد نماذج مدهشة للوفاء. فالحصان، على سبيل المثال، يعرف بإخلاصه لصاحبه؛ إذا مرض حزن عليه، وإذا مات قد يلحق به أسى وكمدا. كذلك القطط والكلاب، تتعلق بأصحابها وتبقى وفية لهم في السراء والضراء، وقد تموت هي الأخرى حزنا على فراقهم. هذه الكائنات تحفظ الود لمن يحنو عليها ويعاملها برفق، ولا تنتظر مقابلا، بل تبادر بالتضحية دون تردد. أما بين البشر، فكثيرا ما تقابل التضحية بالجحود، والإحسان بالأذى، والوفاء بالخيانة. تجد من يفرح بمصيبة غيره، ويشمت في محنته، وكأن القلوب غلفت بقسوة لا تعرف الرحمة. فتضطر النفوس النبيلة إلى الهروب نحو عالم أبسط، بعيدا عن يد الأنانية والمؤامرات ودسائس الخداع. لقد صارت المصالح الخاصة تقدم على الصالح العام، وأصبح الخداع دستورا بين الناس. يدهس القوي الضعيف بلا رحمة، ويتمنى المظلوم الموت خلاصا من غابةٍ موحشة يسودها البشر ...

غيبوبة اضطرارية

صورة
قيدوني، حطموا أحلامي، وحين نظرت في المرآة وجدت شبحا يواجهني. حدثته كأنني أحدث نفسي، فانفجر لساني بما يختبئ في قلبي وعقلي. صرت في أعينهم مجنونا لأنني تجرأت على الكلام، ومسجونا لأنني طالبت ببعض الهواء النقي ونور من الحرية. وصفوني بالمخبول لأني ناديت بالتغيير، بينما الحقيقة أنني حي على جسد الحياة، ميت بالذل والشقاء، محاصر بالإذلال والتنكيل. أنا الشهيد على قضبان القطار، دفعتني الحاجة لبيع أفكاري قبل أن أمد يدي للتسول. أنا الغريق في بحر أحلام زائفة امتلأت بالكوابيس، وضاعت فيها الحقيقة بين فساد متجذر وباطل متجبر. حاسبوني حتى على لحظة ابتسامة حزينة خرجت من بين الهموم، وجرموني على فرحي الضائع. أنا الضحية التي اتخذت ذريعة لجريمة لم يرتكبها، أنا الفقير الذي سحقته الديون، ولم يجد قلبا رحيمًا يمد له يد النجاة. أكلتني أنياب بشر لا تشبع من ظلم، وباعوني في سوق المصالح مقابل دراهم معدودة. أقاموا القصور من عرقي ودموعي، وبنوا الأبراج من خراب حياتي، بينما كان قصري الوحيد هو قبر يواريني. غربت عن وطني، والغربة صارت قدري ومستقبلي. توالت الكرب حتى انهار كياني وتبعثرت أوصالي. كتموا صرخات المظلومين، أغلقوا أفو...

احتلال تحت الطلب

صورة
يختلف هذا النوع من الاحتلال عن معناه الحرفي والتاريخي الذي عرفناه عبر القرون، والذي اكتوت بناره أوطاننا وشعوبنا، ورأيناه ماثلا على أبواب القدس وفي الأراضي المقدسة حتى يومنا هذا. كان المستعمر في الماضي مرفوضا من الشعوب، يقاومونه بكل ما أتيح لهم من قوة، وكانت التضحيات جساما، والشهداء لا يحصون، والفداء عنوانا للعزة والكرامة. أما اليوم، فقد تبدل المشهد، وأصبح الاحتلال يستدعى لا يفرض، يرحب به لا يرفض. الحكومات هي التي تدعوه، لا من أجل حماية الشعوب، بل لصون كراسيها ومناصبها الزائلة. أُعطي المستعمر الامتيازات تلو الامتيازات، وأُسلمت له مفاتيح القضايا المصيرية، فلا قرار للشعب ولا للحاكم، وإنما تفرض عليهم الإملاءات فرضا، في فجور بلغ عنان السماء. أي حق هذا الذي يخول للمحتل أن يتحكم بمصائر العباد، وينهب خيراتهم تحت ذريعة "الأمن والاستقرار"؟! بل بلغ به الاستهتار أن يدعي عدم حاجته لهذه الثروات، بينما السماء مفتوحة لطائراته، والأرض عامرة بقواعده، وجيوشه تعبث وتختبر أسلحتها على أجساد الأبرياء. فأين الحماية المزعومة؟ أهي إلا مؤامرة كبرى، تحاك خيوطها بين العدو والمحتل، ليكون الوطن مصيدة وأبنا...

علم الاجتماع برؤية حديثة

صورة
لا شك أن العلامة ابن خلدون يبقى المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع، فهو أول من غرس بذرة هذا العلم، ومن بعده تابع الباحثون والمفكرون السير على خطاه، محللين علاقة الإنسان بمجتمعه، ومدى تأثير ثقافته وميوله وسماته على محيطه الاجتماعي. تخصصات علم الاجتماع يوصف علم الاجتماع أحيانا بأنه علم العلوم، إذ تتفرع منه تخصصات أكاديمية متعددة مثل: الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، والجغرافيا البشرية، والدراسات الإعلامية، والعلوم السياسية، والتاريخ الاجتماعي، وعلم النفس، والموسيقى، واللغويات وغيرها. ويعتمد علماء الاجتماع في دراساتهم على منهجيات دقيقة، تجمع بين البحث التجريبي وصياغة النظريات، بما يساعد على تشكيل وعي أعمق بالواقع وفهم أبعاده المتشابكة. ومع ذلك، يواجه هذا العلم اليوم تحديات كبيرة؛ فقد تغيرت أنماط سلوك الأفراد والمجتمعات، وازدادت مظاهر التزييف والأقنعة الاجتماعية، مما صعب على الباحثين التمييز بين الجوهر الأصيل للشخصية الإنسانية وبين ما يفرضه الرياء والزيف من صور مموهة. أهمية دراسة علم الاجتماع إن فهم المجتمع لم يعد رفاهية، بل ضرورة؛ إذ تساعد دراسة علم الاجتماع على تشخيص المشكلات الاجتماعية والأسرية، ...

دهاليز النفس البشرية

صورة
تعد دراسة النفس البشرية من أعمق الدراسات الأدبية والفكرية، فهي الغوص في أعماق العقل، وكيف يفكر الإنسان، وما يدور في داخله من صفات وغرائز وحكايات. هي محاولة لرسم صورة متكاملة عن شخصية الفرد، وميوله، وسلوكه، والتنبؤ بأفعاله، وفهم التأثيرات التي صاغت داخله، وأشكال تعامله مع الآخرين في المجتمع، بل ومع العالم من حوله بما يحمله من تضادات وحضارات وتقدّم. لغة العيون وأسرار الشخصية للعيون لغة خاصة، فهل يستطيع الجميع قراءتها؟ إنها نافذة تكشف خفايا النفس، فهي أصدق من اللسان، حتى وإن حاول المرء أن يخفي ما يدور بداخله. قراءة العيون ليست متاحة للجميع، بل تحتاج إلى خبرة وتجربة واحتكاك بأنماط مختلفة من البشر، وإلى دراسة علمية تمكن صاحبها من فكّ شيفرة هذه اللغة الصامتة. ولا تقتصر المؤشرات على العيون فقط، بل تمتد إلى نبرة الصوت، تسلسل الجمل، حركة الجسد، وحتى لحظة التعارف الأولى وما يرافقها من ود أو نفور. غير أنّ هذه القراءات ليست دائما دقيقة؛ فكثير من المحللين النفسيين والمتعمقين في هذا المجال وقعوا في براثن الاضطراب العقلي أنفسهم، نتيجة الغوص العميق في أعماق معقدة بلا نهاية. الحاجة إلى مرشد نفسي كثيرًا...

الحزن.. نار في القلب وبلسم بالصبر

صورة
  يعد القلب أكثر الأعضاء التي يكتوي بها الإنسان بنار الحزن، فهو يحمل آثارًا لا تمحى بين ثناياه. والحزن ليس سوى شعور بالعجز والبؤس، يقف على النقيض من الفرح، يهيمن على المرء من رأسه إلى قدميه، ويظهر غالبا نتيجة صدمة مؤلمة: فقدان عزيز، ضياع فرصة، عجز عن الوفاء بالمسؤوليات، أو حتى التعرض لإهانة تجبر الإنسان على ما لا يريد. وقد يكون الحزن أيضًا شوقا مؤلما لرؤية طفل طال انتظاره أو حرمانا أبديا لم يأذن الله به. تتجلى أعراض الحزن في الدموع، والعزلة، والميل إلى الاكتئاب، والانفعال، والانطواء بعيدا عن الناس، حتى يصبح صاحبه أسيرا للشجن واليأس. فجسد الإنسان هش، وأي خلل في أحد أعضائه قد ينعكس على النفس كلها فيدفعها نحو الإحباط وتدني احترام الذات، بل وربما الشعور بأن الحياة توقفت تماما. يرى علماء النفس أن الحزن عملية داخلية تساعد الإنسان على مواجهة الخسارة وتقبل الواقع المرير، ومن هنا يبدأ التغيير والقدرة على التكيف. وقد صنفه عالم النفس بول إيكمان ضمن المشاعر الإنسانية الستة الأساسية: السعادة، الحزن، الغضب، الدهشة، الخوف، والاشمئزاز. ولنا في القرآن الكريم أمثلة سامية تظهر كيف واجه الأنبياء والرس...

كسرة الخبز سقطت في زمن الوباء

صورة
لم يخطر يوما في بال أكثر المتشائمين أن تصبح كسرة الخبز، رمز الحياة وبصيص الأمل للجائعين، ضحية أخرى للوباء. أن يحرم الفقير من أبسط حقوقه في لقمة تسد رمقه ليس أمرا هيّنا، بل طعنة في قلب الإنسانية، وجرح في ضمير كل من رضي وسكت. إن أولئك الذين يسنون قرارات قاسية لمصالحهم الضيقة، ويحجبون عن الناس قوتهم، ليسوا سوى أناسٍ بلا قلوب، بلا مروءة، أشباه رجال اقتلعت الرحمة من صدورهم، وتغذت أرواحهم على أنانيةٍ عمياء تسوقهم إلى دروب الذل والعار. كيف يجرؤ المستبد أن ينام ملء جفونه، وهناك بطون تصرخ جوعا، وأطفال يبيتون على الحرمان، وعيون غارقة في الألم لا ترى في الأفق سوى السواد؟ كيف لا تفضحه المرآة حين ينظر إلى وجهه صباحا ومساء وقد أكل الطمع عينيه، حتى لم يعد يملؤهما سوى التراب؟ لقد تكاثر المنافقون من حوله كالجراد، يلتهمون الأخضر واليابس، ويصفقون للظلم في ساحاتٍ مزيفة. يدعون الحكمة ويصوغون الأكاذيب، بينما الحق يختنق تحت أكوام من الزيف. أما المستضعفون، فلا سلاح لهم سوى الصبر والدعاء، ولا أمل لهم إلا في عدل الله الذي لا يغيب. التاريخ لا يرحم، ولن يغفر لمن باع وأضاع، ولن يرحم من شارك في تجويع الفقراء وتشريد...

النوة.. دراما الإسكندرية بين البحر والحياة

صورة
لا شك أن الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة أبدع أيما إبداع في كتابة مسلسل النوة خلال تسعينيات القرن الماضي. فقد نسج أحداثه بخيوط متماسكة، ربط بين حلقاته بتسلسل منطقي، وملأها بشخصيات نابضة بالحياة، قريبة من الواقع الاجتماعي ومشكلاته وتقلباته. لماذا اختار الإسكندرية مسرحًا للأحداث؟ ا ختيار الإسكندرية لم يكن صدفة؛ فالنوة هناك جزء من ذاكرة المكان وأهله. مدينة البحر المتوسط، عروس الشاطئ، حيث تتلاطم الأمواج ويعرف الناس تواريخ النوات كما يعرفون ملامح وجوههم. هذه المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، وظلت لألف عام عاصمة لمصر حتى الفتح الإسلامي، جمعت بين الحضارة والبحر، وبين التاريخ والإنسان. جمال الإسكندرية وفرادتها الإسكندرية لم تكن مجرد مدينة، بل ملتقى للحضارات. شوارعها حملت بصمات اليونان والإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، فكانت لوحة فسيفسائية للثقافات. فيها قامت مكتبة الإسكندرية العريقة، ومنارة الإسكندرية التي عُدت من عجائب الدنيا السبع بارتفاعها الشاهق، حتى أسقطها الزلزال في القرن الرابع عشر. فيها عمود السواري، القلاع، القصور، والمسلات، وفيها عبق تاريخي يجعل من يزورها يد...

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} صدق الله العظيم

صورة
في حياة الشعوب، كثيرا ما تطفو على السطح طفيليات لا جذور لها، هشة، لا ثبات لها، فتكون فريسة في مهب الريح. وها نحن اليوم أمام مبادرات زائفة، وحملات نفاق دعائية، وشعارات مزينة بالزيف، بلا فكر ولا تخطيط ولا رؤية، تحمل في طياتها خيانة للأرض الطيبة ولأبناء هذا الوطن. قلة من الناس، فقدت الأخلاق والصدق، وارتدت ثوبا مخرقا بالكذب والنفاق والخيانة والمصلحة الشخصية الضيقة، فصاروا عميان البصيرة، يرفعون لواء التأييد لشخص أو جماعة أو فئة بعينها، متجاهلين أن الشعب قد أدرك ألاعيبهم وأساليبهم الرخيصة. أرادوا سرقة الماضي والحاضر، بل وتمديد أيديهم نحو المستقبل ليجعلوه ملكا لهم، وكأن ما نهبوه لا يكفيهم؛ فبطونهم امتلأت من الحرام، ونفوسهم لا تعرف الشبع. يتلونون كالثعابين، يسارعون إلى حبس الكلمة ومصادرة حرية الفكر، وينددون بالرأي الواحد بينما يمارسونه، ويدعون الديمقراطية وهم يقتلونها. يريدون صناعة فرعون جديد، ويستعينون على ذلك بصمت الشعب وخضوعه وكسر إرادته. ويا للأسف، رأيت كثيرين يبيعون انتماءهم وجنسيتهم مقابل حفنة من المال، يحلمون برفاهية كاذبة، ونسوا أنه لا كرامة خارج حدود الوطن. من يهرب من أرضه، كمن يشتري ...

فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي

صورة
بينما تتباهى الأمم بعلمائها ورموزها ومشايخها، وتكرمهم أحياء وأمواتا، وتفاخر بهم أمام العالم، نجد أنفسنا اليوم في مشهد معكوس.  هؤلاء العلماء الذين أناروا العالم الإسلامي من مشارقه إلى مغاربه بعلمهم وتقواهم، وخواطرهم الإيمانية، واجتهادهم في تفسير القرآن الكريم، وتبسيط سنة نبينا المصطفى "صلى الله عليه وسلم"، حتى اقتدى بدعوتهم المسلمون وغير المسلمين… أصبحوا في بلادنا هدفًا لحملات النيل والتشويه. لقد سمحنا – أو غضضنا الطرف – لأشخاص لا علم لهم ولا أهلية، خفافيش الظلام، مواليد مستنقعات الجهل، أن يتجرؤوا على مقامات العلماء الأفاضل، رحمهم الله، وأن يقللوا من شأنهم. بدأ الأمر بالإساءة إلى القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي، حتى وصل اليوم إلى إمام الدعاة، الشيخ محمد متولي الشعراوي. أخزى الله ألسنتهم، وأبطل تدبيرهم، فهم يظنون أن بإمكانهم تشويه رموزنا خدمة لأهوائهم ومصالحهم الدنيوية. لكنهم نسوا – أو تناسوا – أن شعبنا قد يصبر على ضيق المعيشة، وعلى الفساد، وعلى تكميم الأفواه، لكنه لن يصبر حين يمس دينه أو يهان علماؤه الأجلاء. وإذا استمر هذا النهج، فليعلموا أنهم سيواجهون وجهًا آخر لهذا الشعب، ...

الصلاة… أجمل ما في الوجود

صورة
(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) إلى من تركوا الصلاة أو شغلتهم الدنيا بزينتها ومتاعها عن ذكر الله… أفيقوا قبل فوات الأوان، وعودوا إلى ربكم تائبين؛ فالوقت يمضي، والعمر قصير، والموت لا يستأذن أحدا. لا تجعلوا أنفسكم مع الكافرين في صف واحد، ولا تردوا كرم الله وفضله على أمة محمد "صلى الله عليه وسلم". إن أردتم أن تكونوا مسلمين حقا، لا اسمًا فقط، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم نصر الله، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم سكينة القلب وطمأنينة النفس وراحة البال، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم البركة في المال والرزق والأولاد، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم أن تشكروا الله على نعمه وتطلبوا المزيد، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم الوقاية من السحر وشر الشياطين، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم الجنة والنجاة من النار، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم إصلاح واقعكم، ونهضة بلادكم، وحلم مستقبل مشرق، فالطريق هو الصلاة. إن أردتم البُعد عن الذنوب والمعاصي، وحفظ البصر، وطهارة الجوارح، ف...

الشك واليقين

صورة
يسأل كثير من الناس: لماذا أصبح الشك يتغلغل في قلوبهم وعقولهم، حتى صارت الحقيقة بعيدة المنال؟ والواقع أن الشك لم يعد مقصورا على القضايا الدينية وحدها، بل امتد إلى الأنظمة السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية. في العصور الوسطى، كان الشك غالبا ثمرة للبحث العميق في العلوم الطبيعية والفلسفية والمنطقية والوجودية، لا نتيجة ضعف الإيمان أو ضياع القيم. فقد كان الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت، الملقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة"، يرى أن الإنسان يجب أن يشك ولو مرة واحدة في حياته، وقال: "أنا أشك إذن أنا أفكر، وأنا أفكر إذن أنا موجود".  وكذلك الإمام أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام في عصره، الذي أكد: "من لم يشك لم يبصر، ومن لم يبصر يبقَ في متاهات العمى"، وبيّن أن العلم اليقيني هو الذي يزيل كل ريب ووهم.  أما الحسن ابن الهيثم، رائد علم البصريات، فقد قال: "سعيت دوما إلى المعرفة والحقيقة، وآمنت أني لكي أتقرب إلى الله ليس هناك أفضل من البحث عن المعرفة والحقيقة".  وفي عصرنا الحديث، خاض الدكتور مصطفى محمود رحلة فكرية من الشك إلى الإيمان، قائلا: "العلم الحق ل...

تجربة الغربة

صورة
رغم أن الكتاب والشعراء والدراما تناولوا موضوع الغربة كثيرا، إلا أن أحدا لا يستطيع أن يصفها بدقة مثل من عاش تفاصيلها، وتذوّق مرارتها، وشعر بحرارتها، وحصد ثمارها. فالغربة عالم واسع، يجمع بين المزايا والمآسي، والآمال والآلام. أولا: مزايا الغربة غالبا ما تبدأ الحكاية برغبة في جمع المال لتأمين حياة كريمة، أو طلب العلم والدراسة في الخارج، أو استكمال الزواج، أو إطلاق مشروع يدر دخلا يعين على مواجهة أعباء الحياة وسداد الديون. وقد تكون وسيلة للهروب من واقع صعب لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى عاطفية. في الغربة، يكتسب المرء لغات جديدة، ويحتك بثقافات وحضارات متنوعة، فتزداد خبراته وتتسع مداركه. يتعلم احترام الآخر، ويكتسب مهارات جديدة، ويدرك قيمة النظام وحسن استغلال الوقت، ويعتمد على نفسه في مواجهة المشكلات بأسلوب عقلاني بعيد عن العنف.  كما يطّلع على أحدث التقنيات، ويشاهد أرقى ما وصل إليه العلم والهندسة المعمارية. وفي الطريق، يجد أصدقاء يصبحون كالإخوة، يسندونه ويقفون إلى جانبه. ثانيا: معاناة الغربة لكن الوجه الآخر للعملة يحمل الكثير من الوجع. تبدأ الوحدة في الأكل والفرح والحزن، ويمتد...

الحب… أيقونة الحياة ومبتغاه ومنتهاه

صورة
الحب هو أجمل ما في الوجود، وأساس كل شيء جميل في الدنيا. حين يسكن الحب قلبك، يصبح إحساسك أكثر رهافة تجاه الناس، وتذوب فيك الأنانية والحقد وحب الذات، ويخفت التكالب على المادة. إنه شعور يتجاوز المنطق والعقل، يحمل فرحا وشجنا وتحديا، ويكتب تاريخ العلاقات الإنسانية من جديد. الحب الصادق يلامس الحواس، ويغمر الوجدان، ويعمق الرومانسية، ويحرك المشاعر، ويستعمر القلب فيظل نابضا به مهما طال الزمن. وللعيون، ببلاغتها الصامتة، مفعول السحر، فهي مرآة الروح وبداية الحكاية. من خلالها يبعث القلب رسائله، ثم يتبعها الاهتمام، والحنان، والشوق، والذكريات التي تسقى بالورد. بعد ذلك، يتدخل العقل ليرتب المشاعر في هندسة متقنة تحفظ للحب توازنه واستمراره. أنواع الحب كثيرة، وأعظمها حب الله تعالى، وحب طاعته وأداء فرائضه، والشوق إلى جنته ونعيمها. يليه حب رسولنا الكريم "صلى الله عليه وسلم"، والاقتداء بسنته وخلقه وهديه. ثم يأتي حب الوطن والانتماء إليه، وحب الأهل والزوجة والأبناء، وحب الناس. يقول بعضهم: "أحب بعقلك"، لكن إذا سيطر العقل على الحب فغالبا مآله الفشل؛ لأن المدينة الفاضلة للحب يسكنها القلب أولا،...

وطني… اشتد الحصار

صورة
غيم الحزن غطى الوجوه، وذبلت الورود فلم تتفتح مع الصباح، ودفنت الحرية في وضح النهار، وقيدت الديمقراطية في عتمة الليل، وبيع الشرف بأبخس الأثمان. انكسرت أجنحة الأفكار فعجزت عن التحليق، وتبدلت المبادئ وضاع العدل وغابت نصرة الحق، وأطفئت العقول، وأعميت العيون، وقست القلوب. حلّ النفاق محل الصدق، والخداع محل الصفاء، تارة خوفا، وتارة طمعا في مصلحة أو منفعة خاصة. ولم يبق في الساحة إلا أشباه الرجال… فهل هذه هي النهاية القاتمة لوطن عزيز أبي؟ أم أن من رحم العذاب سيولد جيل جديد، يحمل شعلة النهوض، ويحقق ما عجزنا نحن عن تحقيقه؟ وطني… لا تبكِ، فما زالت في أعماقنا روح الانتماء. مهما تكالب عليك الجبروت، وبلغ الظلم مداه، وشلت أيدينا وعجزت ألسنتنا، فإن الدعاء يبقى آخر ما نملك، حرا طليقا. يا قوى الشر… لا تفرحوا بعون الغرب اللعين، فمصير قوتكم إلى زوال، ومصيره إلى فناء. أنسيتم أن الشمس تشرق من الشرق؟ تظنون أنكم أحكمتم قبضتكم على وطني من حديد، لكن لا تعلمون من أين سيأتي البركان، ولا متى سينفجر الغضب العظيم. أنتم كزبد السيل… والمطر قادر على جرفكم وتنقية الأرض منكم. وطني… مررت بأحلك الظروف، ووقفت شامخا وسط الغيو...

مصطلح "المدينة الفاضلة" عبر العصور

صورة
طالما تردد على مسامعنا مصطلح "المدينة الفاضلة"، لكن كثيرين يجهلون مصدره وأول من صاغه، ويتساءلون: هل هي مدينة حقيقية أم محض خيال؟ وهل تحققت يوما، أم ستظل حلمًا معلقا؟ وهل يمكن بناؤها في عصرنا الحالي؟ دراسة الفلسفة، بما تحويه من حب الحكمة، وعلم المنطق، وعلم النفس والاجتماع، تمنحنا أدوات لفهم هذا الحلم الإنساني القديم، إذ تتيح لنا تحليل النفس البشرية، وفهم المجتمع، وتصور شكل المدينة المثالية التي طالما راودت العقول. المدينة الفاضلة — أو "اليوتوبيا" كما سماها الإغريق — هي فكرة لمجتمع مثالي، تسوده العدالة والعقل والأخلاق، وتتوفر فيه أسباب الراحة والسعادة لكل أفراده. لكنها، رغم محاولات البشرية المتكررة، لم ترَ النور كاملا على أرض الواقع. على العكس، كثير من المدن في حاضرنا تدار بعقول فاسدة أو نفوس خائنة، وتغرق شعوبها في الفقر والقهر، بينما يحيط بالحكام جيوش من المصفقين والمنافقين الذين كانوا في الماضي قلة، وأصبحوا اليوم بلا عدد. أفلاطون (427–347 ق.م) كان أول من وضع أسس هذه الفكرة في كتابه الجمهورية. تخيل مدينة يحكمها الفلاسفة لحكمتهم وعدلهم، وقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات: ال...