الشك واليقين
يسأل كثير من الناس: لماذا أصبح الشك يتغلغل في قلوبهم وعقولهم، حتى صارت الحقيقة بعيدة المنال؟ والواقع أن الشك لم يعد مقصورا على القضايا الدينية وحدها، بل امتد إلى الأنظمة السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية.
في العصور الوسطى، كان الشك غالبا ثمرة للبحث العميق في العلوم الطبيعية والفلسفية والمنطقية والوجودية، لا نتيجة ضعف الإيمان أو ضياع القيم. فقد كان الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت، الملقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة"، يرى أن الإنسان يجب أن يشك ولو مرة واحدة في حياته، وقال: "أنا أشك إذن أنا أفكر، وأنا أفكر إذن أنا موجود".
وكذلك الإمام أبو حامد الغزالي، حجة الإسلام في عصره، الذي أكد: "من لم يشك لم يبصر، ومن لم يبصر يبقَ في متاهات العمى"، وبيّن أن العلم اليقيني هو الذي يزيل كل ريب ووهم.
أما الحسن ابن الهيثم، رائد علم البصريات، فقد قال: "سعيت دوما إلى المعرفة والحقيقة، وآمنت أني لكي أتقرب إلى الله ليس هناك أفضل من البحث عن المعرفة والحقيقة".
وفي عصرنا الحديث، خاض الدكتور مصطفى محمود رحلة فكرية من الشك إلى الإيمان، قائلا: "العلم الحق لم يكن أبدا مناقضا للدين بل دالا عليه، وإنما نصف العلم هو ما يوقع العقل في الشك والشبهة".
هؤلاء جميعا خاضوا تجربة الشك ليصلوا في النهاية إلى اليقين، لكنهم فعلوا ذلك من باب البحث النزيه عن الحقيقة، لا من باب ضعف الإيمان أو الركض وراء المادة. أما في أيامنا هذه، فقد أصبح السبب الأكبر للشك هو الانغماس في الدنيا، وانحصار الاهتمام في الذات والعائلة الصغيرة، وإغفال القيم الكبرى.
كثيرون يسعون وراء المنصب أو المال، ولو كان الثمن الرشوة أو الصمت عن الحق، ويظنون أن حماية مصالحهم تبرر التنازل عن مبادئهم، وينسون قول الله تعالى:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.
إنهم يخشون على أولادهم وينسون أن الله خير حافظا، ويضيقون نظرتهم حتى يعجزوا عن رؤية الفرق بين الشريف الذي يعمل لبناء الإنسان والأرض وصلاح الدين، والمنافق الذي يبيع وطنه، ويتحالف مع أعدائه، ويتلاعب بالدين ليخدم مصالحه. يزيد الطين بلة أن الخوف يسيطر على القلوب، حتى يخشى بعضهم قول الحق أو حتى الدعاء به، خشية العقاب أو الملاحقة.
وهكذا، يتحول الخوف من الحاضر والمستقبل، واستحضار الماضي المؤلم، إلى قيود تمنع الإنسان من الإيمان العميق. فيتوجه بعضهم إلى الهجرة بحثا عن جنسية أخرى، ظانين أن الرفاهية هناك أثمن من التمسك بالوطن، مع أن كرامة المرء في بقائه وفي الدفاع عن مقدساته وقيمه.
لقد غفل هؤلاء عن التأمل في آيات الله في الكون:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
نسأل الله أن يهدي مرضى الشك إلى اليقين، وأن يثبتهم على الحق، وأن يرزقهم محبة الخير للناس جميعا، كما قال النبي "صلى الله عليه وسلم":
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية الترمذي: "وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما".

تعليقات
إرسال تعليق