بكاء العصفور (قصة قصيرة)
مع إشراقة الصباح الباكر، خرج العصفور الصغير وقد ملأ قلبه توكلا على الرحمن. انطلق محلقا في الفضاء الرحب، يرفرف بجناحيه بريشٍ يعبق بالحرية، يمرح بين الأشجار ويهفو بين البيوت، باحثا عن رزق يسد به جوع أفراخه الصغار. لم يضع نفسه في المقدمة، بل جعل همه أولاده قبل ذاته، يحمل الحكمة من كل مشهد يراه، والعبرة من كل قصة يعايشها في رحلته اليومية، ليعلمها لأبنائه حين عودته.
عاد مع غروب النهار وقلبه يشتعل شوقا إلى عشه، يتوق إلى لمحة من عيون صغاره، وهمساتهم البريئة، ودفء اللقاء. لكنه حين وصل، وجد العش خاويا، والأغصان مبعثرة، والبيت مهدما بلا أثر للأبناء. جن العصفور، وأخذ يطوف المكان باحثا، يتحسس رائحة صغاره في الهواء، يتساءل بمرارة: أين ذهب الحلم الجميل؟ وأين اختفى المستقبل الذي كان ينتظره؟
وبعد طول بحثٍ أدرك الحقيقة الموجعة: لقد التهمت قسوة البشر أو طمع الوحوش أحلامه الصغيرة. ربما هدم اللصوص العش على رؤوس أفراخه، أو اختطفهم عدو لا يعرف للرحمة معنى. عندها رفع العصفور بصره إلى السماء، يطلب العون من رب العباد، ويستمد الصبر من رحمته. انفجر باكيا بكاء مرا ارتجت له أركان الغابة، متمنيا لو أنه يودع صغاره حتى ولو كانوا أمواتا، ليدفنهم كما علم الغراب ابن آدم.
لكن رحمة الله أنزلت على قلبه برد السكينة. نهض العصفور من محنته مؤمنا بقضاء الله وقدره، وعزم أن يبدأ من جديد، يبني بيتا آخر على أسس متينة، بعيدا عن أيدي الغدر والخسة. اتحد مع بني جنسه، وجعلوا أعشاشهم في القمم العالية، يحمون صغارهم بالسرب إذا طار، ويتركون رفاقا حراسا عند العش ليكونوا أمنا من الرياح العاتية والشرور المحدقة.
وعلم العصفور أن الرضا بالقضاء هو النجاة الحقيقية، وأن الحمد واجب في السراء والضراء. فالحياة ليست دار خلود، بل معبر قصير إلى دار القرار. ومن غفل عن ذكر الله وغرته زينة الدنيا، خسر البقاء مع الصالحين. أما من جعل العمل والعبادة والتوحيد غايته، فذلك هو الفائز حقا، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

تعليقات
إرسال تعليق