الحزن...

 

الحزن شعور إنساني عميق، يترك بصماته القاسية على القلب أكثر من أي عضو آخر في الجسد. فهو إحساس بالانكسار والخيبة والعجز، يقابل الفرح ويغمر الإنسان من رأسه حتى قدميه. قد ينشأ الحزن من فقدان عزيز، أو ضياع فرصة ثمينة، أو عجز عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، وقد يأتي من صدمة نفسية أو جسدية، أو حتى من موقف يهين الكرامة ويجبر الإنسان على ما لا يريد. أحيانا يكون سببه اشتياقا مؤلما لولد لم يرزق به صاحبه بعد، أو عقم حرمه الله تعالى منه، فيتحول الانتظار إلى لوعة صامتة.


يصحب الحزن غالبا البكاء، الانعزال، الميل إلى الاكتئاب، ضعف التفاعل مع الناس، والتفكير المرهق الذي قد يمتد لساعات أو سنوات. وبما أن الجسد البشري هش، فإن اختلال توازن النفس يترك أثره على البدن بأكمله، وقد يقود إلى الإحباط، ضعف الثقة، وحتى الإحساس بأن الحياة توقفت. وهنا يصبح الخطر في الاستسلام لهذا الإحساس الذي يفرغ المرء من الداخل ويجعله أسيرا للوحدة واليأس.


ولأن الحزن جزء من طبيعة البشر، فقد عده علماء النفس أحد المشاعر الستة الأساسية التي حددها بول إيكمان: السعادة، الحزن، الغضب، الدهشة، الخوف، والاشمئزاز. كما اعتبره علماء النفس عملية علاجية، يتخطى من خلالها الإنسان الفقد والخسارة، ويعيد تشكيل مساره نحو التغيير وقبول الواقع.


والقرآن الكريم يزخر بأمثلة حية عن الحزن والهم الذي مر به الأنبياء، وكيف كان الصبر والإيمان طريق الفرج:


سيدنا يعقوب عليه السلام: الذي بكى يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، ثم تجددت مصيبته بفقد بنيامين.


نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم": الذي حزن على تكذيب قومه حتى كاد أن يهلك نفسه أسفا، فخفف الله عنه بآيات تطمئن قلبه.


موسى عليه السلام: الذي خرج مهموما من مصر بعد قتله القبطي، ثم عاش الغربة والضيق قبل أن يتحول همه إلى فرج ونصر بفضل الله.


أيوب عليه السلام: الذي ابتلي بالمرض الطويل، فصبر ورضي حتى جاءه الفرج بمعجزة الشفاء.


يونس عليه السلام: الذي ابتلعته الحوت، فاستغاث بربه في ظلمات ثلاث، فجاءه الخلاص.


إبراهيم عليه السلام: الذي واجه أعظم امتحان حين أُمر بذبح ابنه إسماعيل، فكان الابتلاء العسير خاتمته الفرح والفداء.


نوح عليه السلام: الذي حمل هم قومه قرونا طويلة، ثم عاش الحزن الأكبر حين رفض ابنه ركوب السفينة فغرق مع الكافرين.


لوط عليه السلام: الذي ابتلي بزوجة خائنة وقوم شاذين، فحزن حتى جاء فرج الله بنصره وهلاك الظالمين.


صالح عليه السلام: الذي عانى عناد قومه ثمود وقتلهم الناقة التي طلبوها دليلا، حتى جاءهم عذاب الله بالصيحة.


هود عليه السلام: الذي دعا قومه عاد فلم يؤمنوا، فأخذتهم الريح العاتية سبعة أيام حتى أصبحوا كأعجاز نخل خاوية.



وهكذا يعلّمنا القرآن أن الحزن مهما عظم، فهو باب إلى الصبر والرجاء. وأن وراء كل هم فرجا، وبعد كل ضيق مخرجا، وأن الله لا يترك عباده ما داموا متعلقين بحبله متوكلين عليه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة