لقاء الأحبة
تسعد القلوب حين يحين موعد اللقاء بعد طول غياب، وتنتفض الأحلام التي ظننا أنها بعيدة المنال وكأنها على وشك أن تتحقق على أرض الواقع. هناك على الضفة الأخرى، تقف الحبيبة تنتظر، تتلقف الهمسات القادمة بشغف، وتشتاق الشفاه إلى قبلة اللقاء، وتتعانق الأرواح قبل أن تتعانق الأجساد.
لقد أكل الغياب من أعمارنا، وكاد أن يطفئ جذوة الحب في القلوب، لكن الشوق أبى أن ينكسر. مرّت بنا سنوات عجاف، أنهكتنا قسوة الزمن، وشابت أرواحنا قبل الأوان، وتبددت ظنون كانت تترقب فرجا بعد وباء عم الأرض، فإذا بالموت يصبح أمرا يسيرا مألوفا، والخوف على العمر يثقل الليالي بالسهر والتفكير.
صرنا نتساءل: هل نسلك طريق العودة حيث الدفء، أم نواصل الانتظار في غربةٍ لا ترحم؟ جسومنا أنهكها المرض، والدموع انسكبت أنهارا، والنوم جافى العيون، حتى بتنا مقهورين ننتظر المجهول. كفانا شقاء في بلاد بعيدة وثقافات غريبة، حيث يشترى الرخيص بأغلى الأثمان، بينما وجودنا بجوار الأحبة أغلى من كل ذهب الدنيا.
تمر السنوات في الغربة ثقيلة كالدهور، ويظل مرسال الحنين يطرق القلوب سائلا: أين الأحبة؟ أين الحبيبة؟
لكن ما الذي ينتظرنا هناك؟!
لقد باعونا الوهم في المواويل، وحولوا الحب إلى بضاعة تباع في المناديل. صبرنا دهرا فصار العمر هشيم الرياح، وتكاثر الجور في الميادين، حتى الطيور بكت من وجع الفراق، والغربة وسمت على الجبين قدراً لا يمحيه الزمان. الموت صار رفيق الدروب، والعيون خابت ظنونها، والآذان استسلمت لكذب الدجالين، والأرجل مشت في دروب الذل، بينما الألسنة صفقت للباطل ونطقت زورا.
هيمنة الخوف على الأبدان أنجب جبابرة وفراعين جددا، أحكموا قبضتهم على الأرواح. الأحلام الوردية لم تكن سوى كوابيس مزينة، خططت في الخفاء بمعونة الغرب الآثم، بينما الحرية قيدت خلف القضبان صامتة.
يا دنيا، كفاك تكبرا على أجساد أنهكها الكسر، كفاك صمتا على أنين المقهورين. إن أرواحنا المبعثرة في المنافي تهفو إلى الرجوع، قلوبنا تتوق إلى حضن الوطن الضائع، والحنين إلى ترابه صار أغلى أمانينا.
وفي النهاية، وزعوا على الناس جوائز العار، وقسم الخزي بينهم بالتساوي، وكل واحد نال من نصيبه ما فاض وزاد…

تعليقات
إرسال تعليق