قطار الغربة
ما الجدوى من الاستمرار في الغربة، إذا ما فقد الإنسان قوته الجسدية، وصفاءه الذهني، وتوازنه النفسي لمواصلة هذا المشوار الطويل المليء بالمخاطر؟ أهو بريق المادة والطمع في المزيد من المال، أم هو القلق على مستقبل الأبناء وربما الأحفاد؟
الغربة طاحونة لا ترحم، تدور بلا توقف، وتطحن كل من يمر بدروبها؛ تسرق فيها الأعمار، ويظهر الشيب مبكرا كعلامة قاسية على عذاب السنين. وكل قطار له محطة نهائية، إلا قطار الغربة، فلا أحد يعرف متى يتوقف، أو كيف ينزل منه.
قد يظن المرء أنه يهرب من سجن ضيق في وطنه، فإذا به يلقى نفسه في سجن أوسع في الغربة، مقابل حفنة من الأموال قد لا تكفي. وربما يعود في النهاية إلى سجنه الأول، مثقلا بذكريات الرحيل وأوجاع الفراق.
بكاء الأهل والأبناء عند لحظة الوداع يظل محفورا في الذاكرة، يرافق الغريب طوال رحلته. وحتى إن اجتمع بأسرته في بلاد الاغتراب، فإن مصيره ومصير أبنائه في النهاية هو العودة. لكن تلك العودة تكون مثقلة بفقدان الأبناء شعور الانتماء، وضياع العادات والتقاليد، فيصبحون غرباء في وطنهم الأم، يحتاجون وقتا طويلا ليستعيدوا ملامحهم الأولى.
البناء خارج الوطن مهما كبر لا يضاهي شعور البناء فيه، وما أجمل أن تكون الغربة محطة قصيرة، تؤخذ منها الكفاية لحياة كريمة، ثم يفتح بعدها باب العودة سريعا إلى أحضان الوطن، حيث اللحظات التي لا تعوض.
في الغربة تموت المشاعر وتدفن الأحاسيس، وتبقى الذكريات القديمة وحدها بلسما لتخفيف الآلام. ولا يعادل لحظة فراق الأهل والأحباب كنوز من المال قد يفني الإنسان عمره في جمعها. فالمشكلة ليست في قسوة الاقتصاد وحده، بل في غياب العلم والتخطيط، وفي التسرع بالركض وراء السراب.
جدران الغربة تبنى من حزن وحرمان، وطرقها مفروشة بالأشواك التي لا تنتهي. الضحكة هناك مجروحة، مهما علت. وحتى إن بلغ الغريب مناصب رفيعة، يبقى أسيرا لسلطة الآخرين، يشعر أنه غريب في أرض ليست أرضه.
أما العلم الذي أفنى فيه عمره، فكثيرا ما يذهب سدى، ليجد نفسه يعمل في مهن لا تمت بصلة لتخصصه، وإن كان بعضهم أوفر حظا.
فلندرك أن الرزق بيد الله، لا يرتبط ببلد دون أخرى. ولتكن الغربة عند الحاجة فقط، لا قدرا محتوما ولا كتابا يجب أن نكمل كل صفحاته. فربما كان المستقبل الأجمل في الوطن نفسه، ينتظر عودة سريعة، لا عودة مفروضة غصبا عن الإرادة.
اللهم هون علينا غربتنا، واجعل لنا في أوطاننا رزقا كافيا، وسبيلا لحياة كريمة بلا اغتراب ولا وجع.

تعليقات
إرسال تعليق