الوفاء


الوفاء قيمة عظيمة، به تزهر الحياة وتكتسب معناها. هو حفظ الجميل ورده لأهله، وهو من أنبل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان. لكن المؤسف أن هذه القيمة أخذت تتلاشى بين البشر، حتى صار كثير منهم أقرب إلى الذئاب الغادرة منها إلى أصحاب العهود.


وإذا تأملنا في عالم الحيوان، نجد نماذج مدهشة للوفاء. فالحصان، على سبيل المثال، يعرف بإخلاصه لصاحبه؛ إذا مرض حزن عليه، وإذا مات قد يلحق به أسى وكمدا. كذلك القطط والكلاب، تتعلق بأصحابها وتبقى وفية لهم في السراء والضراء، وقد تموت هي الأخرى حزنا على فراقهم. هذه الكائنات تحفظ الود لمن يحنو عليها ويعاملها برفق، ولا تنتظر مقابلا، بل تبادر بالتضحية دون تردد.


أما بين البشر، فكثيرا ما تقابل التضحية بالجحود، والإحسان بالأذى، والوفاء بالخيانة. تجد من يفرح بمصيبة غيره، ويشمت في محنته، وكأن القلوب غلفت بقسوة لا تعرف الرحمة. فتضطر النفوس النبيلة إلى الهروب نحو عالم أبسط، بعيدا عن يد الأنانية والمؤامرات ودسائس الخداع.


لقد صارت المصالح الخاصة تقدم على الصالح العام، وأصبح الخداع دستورا بين الناس. يدهس القوي الضعيف بلا رحمة، ويتمنى المظلوم الموت خلاصا من غابةٍ موحشة يسودها البشر بلا إنسانية. حتى الماء حجب عن العطاشى، والطعام ندر حتى جفت صناديق القمامة من الفتات. وفي المقابل، تمهد الطرق للصوص والأوغاد، ويتنعم الجبابرة على حساب البسطاء.


يجمع الطغاة حاشيتهم، ويصيحون في جنون:

"هل من جباه مرفوعة لأكسرها تحت أقدامي؟ هل من أعناق لأمزقها بأنيابي؟ هل من بشر يركعون لغيري؟"


لكن سبحان الله العلي المتعال، القادر المقتدر، الذي لا يغفل ولا ينام. فقد يخسف الأرض تحت الظالمين، ويرسل الرياح عاصفة عاتية تقتلع جذور الفساد والعدوان.


ومع ذلك، يزدادون فجورا وغرورا، ويتمادون في امتهان النفوس العزيزة... غير أن الحق باق، والوفاء مهما غاب سيعود، لأنه من سنن الله التي لا تزول.


تعليقات