مستنقع الخيانة

 


مهما اختلفت الأسباب وتعددت الذرائع، تبقى الخيانة خيانة لا وجه لها إلا القبح. هناك من يخون دينه، ومن يخون وطنه، ومن يخون عهد زوجته، أو كرم أهله، أو حتى براءة نفسه. إن أخطر ما في الخيانة أن ينطق بها اللسان قولا وتترجمها الجوارح فعلا، فتتحول إلى واقع يلطخ صاحبه بالعار.


قد تكون المادة، والركض وراء المال، أو قسوة الظروف الاقتصادية، أو الرغبة في الانتقام أسبابا للخيانة. وقد يكون ضعف التربية، وانهيار القيم والمبادئ، وضياع الأمانة، والتفكك الأسري، واتباع الشطحات الفكرية الواهية، والتأثر بالثقافات الدخيلة، أسبابا أخرى لا تقل خطورة. وفي كل الأحوال يقف الطمع كاللافتة البارزة في طريق الخيانة، يشجع عليها ويغوي إليها، فالإنسان بطبعه يطمع فيما في يد غيره إلا من عصمه الله.


ومن دوافع الخيانة أيضا الوحدة والفراغ النفسي والعاطفي، ومجالسة رفاق السوء، من الإنس أو الجن، ممن يمدون أصحاب النفوس الضعيفة بالوقود اللازم للانزلاق نحو هاوية الخيانة.


لكن تبقى أعظم صور الخيانة وأشدها وقعًا هي خيانة الدين الإسلامي، والتآمر عليه، والتغاضي عن مقدساته، والتقارب مع أعدائه بوجه بشوش وابتسامات زائفة، وكأن دماء الماضي وآلامه وجرائمه طُمست من الذاكرة. ما زال الآلاف من المسلمين يقتلون ويهجرون وتنهب أرضهم وتباع بأبخس الأثمان، بينما يجلس بعض القادة على طاولة واحدة مع من ارتكبوا تلك المآسي، وكأن شيئا لم يكن.


وأي خيانة أعظم من حرمان الشعوب من أبسط حقوقها، كالمياه التي رزقها الله لها، ليقدم جزء منها قرابين للعدو حتى يروي عطشه؟ أي خيانة أشد من أن يباع الوطن لتثبيت كرسي حاكم أو إرضاء مستعمر؟


السكوت عن هذه الأفعال خيانة أخرى، سواء من الحاكم الذي يبيع أو من الشعوب التي ترضى أو تصمت. بالصمت يمنح الطغاة تاج الجبروت، ويتحولون إلى فراعنة، لا يترددون في إلقاء الأبرياء في المهاوي، أو إحاطتهم بالحديد والجدران، بينما يملأ الفساد البر والبحر، وترتقي العصابات إلى المناصب، وتعلق على صدورهم أوسمة العار.


إن الخونة، سواء كانوا أحياء أو لفظهم التاريخ، لا يليق بهم إلا مزبلة النسيان. أيديهم شلت، وألسنتهم خرست، وأقدامهم قيدت، ولن يكون لهم في سجل الشرف نصيب.


ولن تخرج الأمة من مستنقع الخيانة إلا بالعودة إلى الطريق المستقيم، إلى كتاب الله تعالى وهدي نبيه محمد "صلى الله عليه وسلم"، وإحياء القيم والأخلاق والتربية الصالحة.


اللهم ثبت علمائنا على الحق، ووفقهم لمواجهة الطغيان، وقيادة الأمة إلى ما فيه الخير. اللهم طهر بلادنا من وباء الخيانة قبل أوبئة الدنيا، واقصم ظهر الخونة والمتآمرين وباعة الدين والأوطان.

آمين يا رب العالمين.

تعليقات