احتلال تحت الطلب


يختلف هذا النوع من الاحتلال عن معناه الحرفي والتاريخي الذي عرفناه عبر القرون، والذي اكتوت بناره أوطاننا وشعوبنا، ورأيناه ماثلا على أبواب القدس وفي الأراضي المقدسة حتى يومنا هذا. كان المستعمر في الماضي مرفوضا من الشعوب، يقاومونه بكل ما أتيح لهم من قوة، وكانت التضحيات جساما، والشهداء لا يحصون، والفداء عنوانا للعزة والكرامة.


أما اليوم، فقد تبدل المشهد، وأصبح الاحتلال يستدعى لا يفرض، يرحب به لا يرفض. الحكومات هي التي تدعوه، لا من أجل حماية الشعوب، بل لصون كراسيها ومناصبها الزائلة. أُعطي المستعمر الامتيازات تلو الامتيازات، وأُسلمت له مفاتيح القضايا المصيرية، فلا قرار للشعب ولا للحاكم، وإنما تفرض عليهم الإملاءات فرضا، في فجور بلغ عنان السماء.


أي حق هذا الذي يخول للمحتل أن يتحكم بمصائر العباد، وينهب خيراتهم تحت ذريعة "الأمن والاستقرار"؟! بل بلغ به الاستهتار أن يدعي عدم حاجته لهذه الثروات، بينما السماء مفتوحة لطائراته، والأرض عامرة بقواعده، وجيوشه تعبث وتختبر أسلحتها على أجساد الأبرياء. فأين الحماية المزعومة؟ أهي إلا مؤامرة كبرى، تحاك خيوطها بين العدو والمحتل، ليكون الوطن مصيدة وأبناؤه فئران تجارب؟


لقد غرق العالم في أنانية مقيتة، لا يرى إلا مصالحه، وغابت العدالة عن المشهد. أما نحن، فقد فرطنا حتى استحققنا العقاب؛ الأخ عادى أخاه، وطغى الطمع على روابط الدم واللغة، وتفننا في الخداع حتى بتنا عبيدا له، وصار الهوان عنوانا لفقدان الكرامة. الحقيقة غيبت، والضلال اكتسح الوديان، لكن جبال الحق ما زالت شامخة تصد سهام الغدر.


اغتصبت الأرض بغير وجه حق، وصيغت روايات كاذبة لتبرير الجرائم. مقدساتنا انتهكت، وأعراضنا استبيحت في وضح النهار. زج بالأحرار في الزنازين، وصارت الطيور الحالمة بالحرية حبيسة الجدران. أشجار الزيتون اقتلعت، وأصوات الحق خنقت حتى خيم الصمت، وكأن لا حياة لمن تنادي.


هكذا امتلأت صفحات الواقع وجعا ومرارا، تتابعت الكربات، وضاقت الصدور، وجفت الدموع، وتورمت الأقدام على صخور الصبر. ومع ذلك، يبقى الأمل يتنفس بين الضلوع، مهما انسدت الشرايين بالهموم، ومهما سمم الأوكسيجين الفاسد الرؤى.


لن نموت على ظهر الحياة، فعدالة الله باقية، وقدرته ماضية في رفع الظلم عن العباد. ندعوه أن ينير بصائر الأقوياء الصالحين، ويشحذ همم الضعفاء والمحتاجين، وأن يزيل الخوف من القلوب، والعمى عن الأبصار، والعار عن الأسماع، والأقفال عن العقول.


اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وانصرنا على القوم الكافرين. يا رحمن يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، إليك نرفع الدعاء، وبك نستعين على الضالين المضلين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة