عندما يبكي الرجل بين أحضان زوجته (قصة قصيرة)
أحمد، شاب تخرج في كلية التربية قسم اللغة العربية، وعاد ليعمل مدرسا في إحدى المدارس الحكومية، حاملا حلم تربية الأجيال ونشر العلم. وبعد سنوات، تزوج ورزق بثلاثة أبناء: ولدين وبنت، لتزداد أعباء الحياة ومتطلباتها، ويصبح راتبه الضئيل عاجزا عن الوفاء بحاجات أسرته.
فكّر كثيرا في السفر بحثا عن رزق أوسع. وبعد محاولات لم يجد فرصة عمل تناسب تخصصه، فاضطر إلى قبول عقد كحارس أمن في إحدى دول الخليج. لم يكن يتخيل ما ينتظره هناك؛ فوظيفته الجديدة كانت أدنى المراتب، تقارب في المكانة عامل النظافة، ومليئة بالأوامر القاسية والقيود الثقيلة. ساعات العمل تجاوزت الأربع عشرة يوميا، بلا احترام ولا تقدير.
حاول أن يقنع نفسه بالصبر لثلاثة أشهر، لكنه لم يجد سوى مرارة الفارق بين مكانته كمرب للأجيال في وطنه، وبين ما أصبح عليه الآن. كان قلبه يتألم، وعقله يتساءل: "أهكذا ينتهي بي المطاف؟"
نصحه زملاؤه أن يصبر عاما كاملا على الأقل حتى يسدد ما أنفقه في إجراءات السفر، لكنه لم يطق. رفع سماعة الهاتف واتصل بزوجته، وصوته متهدج بالدموع، حكى لها تفاصيل غربته ومعاناته، ثم بكى بكاء مريرا لم يذق مثله من قبل.
وبحنان الزوجة والأم قالت له: "إن لم تعد قادرا، فلتفسخ العقد وارجع إلينا. وجودك بيننا أثمن من المال." كانت تتمنى في قرارة نفسها أن يواصل رحلته حتى لا يضيع جهده سدى، لكنها آثرت كرامته وراحته، ورفضت أن ترى زوجها ينهار كالطفل ولا يجد من يواسيه.
عاد أحمد إلى وطنه، وكانت تلك أول وآخر مرة يغترب فيها. بقيت تجربته في الغربة كالكابوس يطارده في أحلامه، لكنه مع مرور الأيام تصالح مع نفسه، وأدرك أن أرضه التي نشأ عليها، مهما ضاقت به، أوسع من غربة تذل فيها كرامة الإنسان.

تعليقات
إرسال تعليق