الحرية… بين القيود ومحاولات النبش عليها من تحت الركام
تحرر الإنسان منذ أزمان بعيدة من حياة الغابات، لكنه ما زال أسير محاولات البعض لإبقائه فيها مدى الحياة.
لقد بحثت البشرية عن الحرية طويلا، لكنها في كثير من المراحل فقدت أثرها نتيجة أسباب متعددة، جعلت الكرامة تباع بأبخس الأثمان، وأصبح مصير الإنسان إما حياة بكرامة مرفوعة أو ذل يطأ الرؤوس بلا رحمة.
الحرية هي الأصل، وهي أساس كل نهضة وتقدم. وبدونها يتحول الإنسان إلى عبد لأفراد أو أنظمة أو جماعات، يفقد القدرة على التفكير والإبداع، ويساق كقطيع نحو هاوية واحدة لا محيد عنها. يتساقط من أمامه في الطريق، ومع ذلك لا يتعظ، بل يلحق به تحت وطأة الخوف والسوط المسلط عليه، وكأن المصير المحتوم قدر لا فكاك منه.
النفس البشرية متناقضة؛ فالكل يتغنى بالحرية ويهتف باسمها، لكن كثيرين يبيعونها مقابل لقمة عيش أو رفاهية زائلة. البعض يتنازل عنها طوعا، مفضلا "السلامة" والعيش بجانب الحائط، بدافع خوف دفين يجعله فريسة سهلة لمن ينهشه. وهكذا صار بناء المستقبل حلما بعيد المنال، وساد السكوت واللامبالاة وحب الذات، وضاعت قيم الرحمة والتكافل والتعاون.
دفنت الكلمة الحرة في عز النهار، وصودر الرأي الآخر، وأضحى الإنسان كالمقعد لا يملك إلا انتظار الأوامر الجائرة. يجهلون أن الأمم لا تتقدم إلا بالحرية، وأن قتل الرأي المختلف يعني قتل العلم والإبداع ووأد المواهب في مهدها.
نتمسك بالحياة أثناء نومنا ونقبض عليها بأيدينا، ثم نصحو فنرفع راية الاستسلام طائعين! لماذا نسمح لهم باستباحة أجسادنا وهم يوهموننا بأن أرواحنا حرة؟ الحرية ليست منحة، بل حق يولد مع الإنسان، ولا ينتزع إلا بالتضحيات.
ورغم سواد المشهد، يبقى الأمل قائما. فالتاريخ يشهد أن كل ظالم له نهاية، وأن الشعوب مهما كبلتها الأغلال فإنها تنفجر يوما كالبركان، وتسترد حقها. من دخلوا السجون وعانوا القهر، حتى وإن خرجوا أجسادا منهكة، فإن إشاراتهم تكفي لتقول لنا: "افعلوا شيئا من أجلنا".
الحرية ليست ترفا، بل شرطا للحياة الكريمة. من يتشدقون بالأمن في غيابها يجهلون أن الأمن بلا حرية مجرد قيد جديد. لم نخلق لاتباع الظالمين، وإنما لنعمر الأرض بالعمل والعبادة والعدل، ولنتحد كأمة تواجه الطغاة.
لقد دفعت الشعوب عبر التاريخ أنهارا من الدماء في سبيل الحرية، وامتلأت صفحاته البيضاء بسير الأبطال الذين رحلوا بأجسادهم لكن أفكارهم ما زالت حية، تبعث الأمل وتوقد جذوة المقاومة. كل يوم يولد جيل جديد يؤمن بها، ويسير على خطاهم.
إنني أحلم بيوم ننهض فيه جميعا، نقهر الخوف والظروف، نتصالح مع أنفسنا، ونعيد للأمة مجدها. قد نكون أخطأنا في الماضي، لكن الدروس باقية، والفرصة قادمة لنصحح المسار، فنرسم ابتسامة صادقة، ونضع حجر الأساس لمستقبل يليق بأبنائنا وأحفادنا.

تعليقات
إرسال تعليق