غيبوبة اضطرارية


قيدوني، حطموا أحلامي، وحين نظرت في المرآة وجدت شبحا يواجهني. حدثته كأنني أحدث نفسي، فانفجر لساني بما يختبئ في قلبي وعقلي. صرت في أعينهم مجنونا لأنني تجرأت على الكلام، ومسجونا لأنني طالبت ببعض الهواء النقي ونور من الحرية. وصفوني بالمخبول لأني ناديت بالتغيير، بينما الحقيقة أنني حي على جسد الحياة، ميت بالذل والشقاء، محاصر بالإذلال والتنكيل.


أنا الشهيد على قضبان القطار، دفعتني الحاجة لبيع أفكاري قبل أن أمد يدي للتسول. أنا الغريق في بحر أحلام زائفة امتلأت بالكوابيس، وضاعت فيها الحقيقة بين فساد متجذر وباطل متجبر. حاسبوني حتى على لحظة ابتسامة حزينة خرجت من بين الهموم، وجرموني على فرحي الضائع.


أنا الضحية التي اتخذت ذريعة لجريمة لم يرتكبها، أنا الفقير الذي سحقته الديون، ولم يجد قلبا رحيمًا يمد له يد النجاة. أكلتني أنياب بشر لا تشبع من ظلم، وباعوني في سوق المصالح مقابل دراهم معدودة. أقاموا القصور من عرقي ودموعي، وبنوا الأبراج من خراب حياتي، بينما كان قصري الوحيد هو قبر يواريني.


غربت عن وطني، والغربة صارت قدري ومستقبلي. توالت الكرب حتى انهار كياني وتبعثرت أوصالي. كتموا صرخات المظلومين، أغلقوا أفواه الأحرار، وشوهوا عيون الحق. جعلوا همي الوحيد البحث عن لقمة تسد جوعي، وسرقوا مني الحلم، والكرامة، والطموح.


المؤتمرات صارت مسرحيات هزيلة، الإعلام انقلب إلى أداة تزوير، المشايخ خانوا المعاني فباعوا الدين في سوق المديح، والرقص على الحبال صار عنوان الولاء. صارت الحقيقة سلعة رخيصة ألقيت في القمامة، بينما الباطل ارتدى ثوب البطولة.


أمسكت بالقلم حتى أنهكني، وأفرغت محابري حتى جفت، وكتبت الأمل حتى عذبته الكلمات. دعوت الشمس فلم تشرق، ناديت القمر أن ينير ظلماتي، وتمنيت أن تأخذني النجوم بعيدا أو يختطفني الموت فيريحني من حرماني.


نهبوا الماء قبل أن يصل إلى أهلي، استعبدوا الجسد وتركوا الروح في سجنها، قتلوا الطموح في قلوب أبنائي، واختل ميزان العدل حتى مالت كفته للزيف. الأمراض انتشرت، والسرطان غطى الطعام، والعشوائيات نفيت إلى الصحراء.


كنا يوما نتعاون كما في قصة "الحمامة المطوقة"، لكننا اليوم نعيش في زمن الفتن والتشرذم. المناضلون تواروا، ورفعت رايات الاستسلام. صار الناس بين غافل راض بالزيف، أو واع عاجز عن مقاومته. سألت نفسي: هل من خلاص؟ فكان الجواب: "نحن السادة وأنتم الخدم"، كلمات تقطر استكبارا، تستظل بحماية الغرب، وتبرم الصفقات مع العدو.


سرقوا الخيرات، كونوا عصابات تحميها المصالح، وفروا المخدرات ليزيدوا التيه، وضحكوا ضحكات كالشياطين لتفتح أبواب المعاصي. تركوني كالعصفور المكسور الجناح يحاول أن يطير في فضاء ملبد بالظلم.


المدينة الفاضلة التي حلمنا بها صارت خلف الأسوار، يتولاها فاسد أو خائن. ومع ذلك، يظل الأمل قائما؛ ما دامت الروح بين أيدينا، فالله باق وقادر على رفع الظلم، ولو طال الأمد.


المتجبرون يظنون أن أوراق اللعبة كلها بين أيديهم، وأن الغرب سندهم وغطاؤهم، لكنهم يتساقطون كما تتساقط أوراق الخريف. لا خلود لأحد على هذه الأرض، والعدل آت لا محالة.

فكلنا راحلون...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة