الظلم
صار الاعتراض على الظلم جريمة، والمطالبة بالحق خروجا على القانون، والبحث عن العدالة ثورة تستوجب الدماء والسجون والقيود. فالكلمة الصادقة تخنق، والحناجر الحرة تقيد، والأيدي المرفوعة تقطع، والعيون التي تبصر الأمل تطفأ بالرصاص، والأرواح النقية تنفى في المنافي المظلمة. وهكذا تحول الإنسان الكريم الذي كرمه الله إلى مخلوق مقهور يلاحقه الخوف والتهديد.
سطوة الظلم
الظالم ينصّب نفسه ملكا متجبرا، يأمر فيطاع، ويمتلك زمام القوة، وسيف البطش، ورمح الغدر. يبطش كيف شاء، ويستعبد من شاء، بينما الطيور في السماء تبكي من قسوة ما يجري على الأرض. الأبرياء يساقون إلى المشانق والزنازين، وتقطع الأرحام عن نور الشمس والقمر، لتسود شهوة السلطة والجاه التي لا يشبع منها المتسلطون.
لقد جعلوا من الخوف سلاحا يسكن القلوب، ومن التهديد وسيلة لإخضاع الشعوب، حتى صارت الأغلبية صامتة خانعة تبحث عن قوت يومها أو عن ستر يقيها الفضيحة. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن الكلمة الحرة تزلزل عروشهم، والفكرة الصادقة تولد مع كل جيل جديد مهما حاولوا طمسها. فالقتل اليوم صار بلا ندم، والتوحش يزداد يوما بعد يوم، بينما الحيتان الكبرى تمد المستبدين بأسباب القوة والسلطة، ليظل الشعب حقلا للتجارب، ووطنه مسرحا للاستغلال.
وليس ببعيد عن التاريخ، فخيانة والي عكا الذي فتح أبوابها للصليبيين لم تنقذه من مصيره المحتوم، بل خانوه وأهانوه قبل أن يشنق جزاء ما اقترفت يداه. وهكذا هو مصير كل خائنٍ يبيع أرضه وكرامة شعبه. وعندما تسيل الدماء على الإسفلت دون أن تهتز القلوب، فاعلموا أن فرعونا جديدا قد وُلد.
معركة الوعي
المعركة اليوم لم تعد بالسيوف والرماح، بل هي معركة وعي. آلاف دخلوا السجون ولم يخرجوا، وآخرون قضوا في ظلمات الزنازين دون أن يسمع لهم أحد. بينما الجهلة والمنافقون يتغنون بالقصور والمنتجعات، تاركين المدارس والمستشفيات والأبحاث العلمية طي الإهمال. الثروات تكدّس في جيوب قلة من الأغنياء، والفقراء يسحقون في مناجم الفحم وعلى قضبان القطارات، فيما يعيش البقية على فتات لا يسد الرمق.
إن طريق الخلاص معروف، لكنه مليء بالعقبات التي وضعها المستبدون. وكلما تأخر الوعي، اقتربنا أكثر من حافة الهاوية. ومع ذلك تبقى شعرة الحق قائمة، لا تقطع أبدا، وهي التي تمنح الأمل في أن بركان الغضب الكامن سينفجر يوماً بإذن الله، ليعيد للإنسان كرامته، فلن تجد لسنة الله تبديلا.
الظلم ظلمات يوم القيامة
لقد حذر النبي "صلى الله عليه وسلم" من الظلم أشد التحذير، فقال: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة». وهذه الظلمات ليست مجازية فحسب، بل حقيقة يعيشها كل من ظلم نفسه أو غيره. فالظلم أنواع: ظلم الإنسان لنفسه بالشرك أو الرياء، وظلمه لغيره بأخذ المال بغير حق أو انتهاك العرض أو سفك الدم.
يوم القيامة، يقف الجميع بين يدي الله تعالى في يوم عظيم، يوم الحاقة والصاخة، يوم العرض الأكبر، ولا يرى الإنسان طريقه إلا بنوره. والظالمون يطفئ ظلمهم أنوارهم، فيسيرون في عتمة حالكة لا يهتدون فيها إلى صراط. لذلك قرن النبي "صلى الله عليه وسلم" بين التحذير من الظلم والتحذير من الشح، لأن الشحّ هو الذي يدفع إلى سفك الدماء وأكل الحقوق وانتهاك الحرمات.
فمن أراد النجاة، فليتق الله في نفسه وفي الناس، وليجعل بينه وبين الظلم وقاية، حتى لا يكون من الذين يخسرون الدنيا والآخرة.

تعليقات
إرسال تعليق