مقتل جورج فلويد


ما زالت الحرية، بكل ما تحمله من معان سامية، حلمًا بعيد المنال رغم الشعارات البراقة التي ترفعها كثير من الدول. فكم من أنظمة تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي أول من يدوس هذه المبادئ تحت الأقدام، متخذة منها وسيلة للضغط السياسي وتحقيق المكاسب على حساب الضعفاء والمقهورين.


نحن في القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك نشهد ممارسات تعيدنا إلى عصور الظلام، حيث يسود الجهل والتعصب ويستخدم القمع كسلاح لتقييد الشعوب. باسم الأمن القومي تقمع الأصوات، وباسم حماية الدولة تنتهك الحقوق، في حين يتباهى الزعماء بخطب رنانة لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به.


حادثة مقتل جورج فلويد لم تكن مجرد جريمة، بل علامة فارقة في كشف زيف الادعاءات. فلويد، المواطن البسيط، قتل بوحشية تحت ركبة شرطي بلا رحمة ولا ضمير، في مشهد هز الضمير الإنساني. ليست هذه الجريمة الأولى ضد ذوي البشرة السوداء، لكنها كانت الشرارة التي أيقظت الغضب المكبوت، وجعلت الملايين ينزعون عنهم عباءة الخوف لينطلقوا في مظاهرات عارمة امتدت من الولايات المتحدة إلى مختلف بقاع العالم.


هذه المرة كان المشهد مختلفا؛ فقد خرج البيض والسود جنبًا إلى جنب، ليؤكدوا أن الإنسان إنسان، بغض النظر عن لونه أو عرقه، وأن القتل ظلم لا تبرير له. كان الاتحاد بين المختلفين هو أجمل ما في هذه الصورة القاتمة، إذ أعلنوا جميعًا أن المواطنة لا تختزل في لون بشرة.


بينما كان المتظاهرون يملأون الشوارع متحدّين القمع، كان الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب قابعا في قبو البيت الأبيض، يراقب من خلف الجدران صدى الغضب الشعبي. ورغم بطش الشرطة وتعاملها مع المحتجين كما لو كانوا حيوانات، إلا أن الوجه الحقيقي لـ"شرطي العالم" ظهر جليا أمام الإنسانية جمعاء.


الأسئلة تبقى مطروحة: لماذا تصر الحكومات على إذلال شعوبها وقمعها بدل أن تسخر قوتها لحمايتها؟ أليست الأجهزة الأمنية أنشئت لخدمة المواطنين وصون أمنهم، لا لتكون سوطا على ظهورهم؟ أين ذهبت قيم العدالة والرحمة، وقد تحولت القوانين والمحاكم إلى أدوات في يد الطغاة، لا تعرف من العدل إلا اسمه؟


التاريخ يذكرنا أن التضحية من أجل الحرية ليست جديدة؛ فقد دفع جيفارا حياته ثمنا لحلمه، وتعرض غاندي للتعذيب في سبيل رسالته، ونجا مانديلا وحده ليرى نضاله يثمر بإسقاط التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. فلماذا لا تتخذ الولايات المتحدة عبرة من هذه التجارب؟


إن الإنسانية اليوم في معركة فاصلة ضد التمييز والظلم. قد ينهار الاقتصاد، وقد تسقط أنظمة، لكن إزهاق روح بريئة وإهانة كرامة إنسان واحد جريمة لا يبررها شيء. سيبقى النداء صادقا: الحرية حق، والكرامة لا تساوم، والإنسان إنسان مهما كان لونه أو دينه أو أصله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة