طعام خفافيش الظلام
من المسؤول عن ضياع أحلامنا؟ ماذا أرادوا بنا؟ ولماذا تلاعبوا بمصائرنا حتى شردونا، وجعلونا نطأ التراب بجباه ذليلة على ظهر الحياة؟ لصالح من اصطادونا واحدا تلو الآخر كالطيور البريئة؟
أنتجوا لنا أفلاما ومسلسلات مكرورة، تعيد نفس الأفكار، وتظهر بطلاً مغوارا يخلص الناس من المستنقع، بينما هو في الأصل جزء منه! طحنونا في مطاحنهم بلا رحمة، قيدوا أقدامنا بالسلاسل وأيدينا بالحديد حتى تقطعت شراييننا، شوهوا عقولنا عن سابق إصرار، وقسمونا طوائف وأحزابا وجماعات، بينما النتيجة واحدة: جياع يبحثون عن لقيمات، وأقلية من العصابات تنعمت بالخيرات.
كل من نادى بالحرية أُودع وراء القضبان، محروما من شمس النهار وضوء القمر. حل الظلام، فخرجت البومات تصرخ بأقبح الأصوات على الشاشات والميكروفونات. انتشر اللصوص كالجراد، يلتهمون الأخضر واليابس، حتى أصبحنا – بكل مرارة – طعاما لخفافيش الظلام.
الخوف صار أسلوب حياة، فالجميع يتوارى خلف الحيطان. جفت الأقلام الشريفة، وكثرت أقلام الإفك والضلال. بأيدينا صنعنا فراعين جددا، ثم سمحنا لهم أن يضعونا في توابيت الصمت. الألسنة التي نطقت يوما بالحق تحولت إلى أبواق للنفاق، والمروءة اختفت من الأسواق، وصار الناس عبيدا في سوق نخاسة بوجه جديد.
أنهكت الهامات وضاعت في أوبئة الفساد. الأصوات الصادقة تنادي: "لا تناموا قبل التحرير، فالحرب على الظالمين وخفافيش الليل قادمة." لكن الأمل يتعثر أمام مهرجين وأفاقين باعوا العقول، وأفراحهم المزيفة أبكت القلوب.
الوطن خدع بشعارات زائفة: "نحافظ عليه!" ممن؟! وهو الذي أُبيد على أيدي أبنائه المخلصين! عزيمة الشباب ضاعت، وأحلامهم أثقلت بالتوجعات. غيبوبة جماعية أسقطت على الأبدان، وهمست الآذان بالطاعة العمياء. طالبنا بالحقوق، فحصدنا المؤامرات والخداع. القرار لم يعد بيد الحاكم، بل يأتيه عبر الهاتف. الكراسي تحفظ بتنفيذ الأجندات، وممالأة الأعداء، ومساعدتهم على الفتك بالشعوب. الدراويش في الموالد ازدهروا، بينما الأغلبية خرجوا بلا "حمص"، وشهريار ما زال سجين جنون العظمة لا يشبع من صيد الأبرياء.
الحيتان خرجت إلى الشواطئ تعلن عصر العسرة، والأرض تشققت وحرمت من خيراتها. زوار الفجر لم يغادروا صفحات التاريخ، وأساليب التعذيب ازدادت تنوعا وبشاعة. دماء غطت أرض الوادي من شماله إلى جنوبه.
فإلى متى نظل طعاما لخفافيش الظلام؟
اللهم نستغيث برحمتك، يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا وارفع عنا البلاء، وانصرنا على القوم الظالمين.

تعليقات
إرسال تعليق