النوة.. دراما الإسكندرية بين البحر والحياة
لا شك أن الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة أبدع أيما إبداع في كتابة مسلسل النوة خلال تسعينيات القرن الماضي. فقد نسج أحداثه بخيوط متماسكة، ربط بين حلقاته بتسلسل منطقي، وملأها بشخصيات نابضة بالحياة، قريبة من الواقع الاجتماعي ومشكلاته وتقلباته.
لماذا اختار الإسكندرية مسرحًا للأحداث؟
اختيار الإسكندرية لم يكن صدفة؛ فالنوة هناك جزء من ذاكرة المكان وأهله. مدينة البحر المتوسط، عروس الشاطئ، حيث تتلاطم الأمواج ويعرف الناس تواريخ النوات كما يعرفون ملامح وجوههم. هذه المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، وظلت لألف عام عاصمة لمصر حتى الفتح الإسلامي، جمعت بين الحضارة والبحر، وبين التاريخ والإنسان.
جمال الإسكندرية وفرادتها
الإسكندرية لم تكن مجرد مدينة، بل ملتقى للحضارات. شوارعها حملت بصمات اليونان والإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، فكانت لوحة فسيفسائية للثقافات. فيها قامت مكتبة الإسكندرية العريقة، ومنارة الإسكندرية التي عُدت من عجائب الدنيا السبع بارتفاعها الشاهق، حتى أسقطها الزلزال في القرن الرابع عشر. فيها عمود السواري، القلاع، القصور، والمسلات، وفيها عبق تاريخي يجعل من يزورها يدرك أنه أمام جوهرة نادرة.
لقد كانت الإسكندرية شعلة للحياة والتجارة وتبادل الثقافات في وقت غاصت فيه أوروبا في ظلمات الجهل. من لم يزرها فقد الكثير، ومن يتأخر عن ذلك، فليتدارك قبل أن يفوته جمالها.
أحداث المسلسل
عاد عكاشة في النوة ليجعل البحر رمزًا للحياة. فقد صوّر أسرة متماسكة تحيا بالأمل والأخلاق، حتى جاءت نوة الحياة العاتية، فبعثرت وحدتها. اندفع البعض وراء الثراء السريع ورفاق السوء، فيما حاولت الأخت الكبرى أن تصمد وتحمي إخوتها، لكن النوة هذه المرة كانت أقوى من قدرتها على المقاومة. هكذا عكست الأحداث صراع الإنسان أمام قسوة الواقع.
الرسالة والعبرة
لم يكن العمل مجرد دراما اجتماعية، بل رسالة بليغة: الغفلة تجلب الكوارث، والسكوت على الظلم يمنحه قوة، ولا بد من المجازفة والتمرد لنيل الحقوق. فالإسكندرية، بتاريخها وروحها الشعبية، كانت ولا تزال رمزًا للرفض والكرامة، ومنها تنبع شرارات التغيير.
البحر حياة لا تنتهي
قصص البحر مع الإسكندرية لا تنضب؛ فكم من صياد ضل طريقه في النوة وظنه الناس هالكًا ثم عاد. وكم من مغامر بدأ بالصيد ثم صنع مجده في التجارة، وكأن البحر يمنح الصبر مفتاح النجاح. بحر الإسكندرية يتلون مثل الحياة: في الصيف زينة وبهاء، وفي الشتاء برد وعواصف تحمل دروس الصبر والسكينة، يواسي المهمومين ويأخذ بيد الغاضبين.

تعليقات
إرسال تعليق