ديون واجبة السداد
لقد ارتفعت الصرخات وتعالت المطالب، وضاقت الصدور بالحزن، وارتبكت العقول في زمن كشف المستور وحان فيه وقت الحساب، حيث لا بد من رد الحقوق إلى أصحابها. أجساد غاصت في بحار المعاصي والآثام، وقلوب أُغرقت في صمت مريب وقهر لا يرحم، بينما شياطين الإنس والجن فرحت بالفساد والبعد عن التوبة والخشوع.
الدعاء صار أمنية أخيرة، والخوف كبل ألسنة الصالحين، فأرعبت النفوس بسطوة القوة وسط صمت مذل، حتى اعتادت الأجساد على الضربات ورفعت راية الاستسلام. حرمان من أبسط مقومات الحياة؛ جوع وعطش وصوت ينطق زورا، بينما غاب الدفاع عن المظلومين باليد أو بالقلب.
نام الفقراء في العراء عراة، وتدثروا بالتراب حين اشتدت البرودة، كالأموات على ظهر الحياة. أما وسائل النقل التي كان من المفترض أن تخفف عن البسطاء، فقد تحولت إلى أبواب للعذاب، تفجيرا وحرقا، لتصعد الأرواح إلى بارئها تشكو ظلم قلة باغية تصدرت المشهد، بينما تعرت الحقائق أمام الأشهاد.
خيرات الأرض أُعطيت لأهل القمة، أما الفقراء والغارمون وطالبو الستر فلم يسدد عنهم دين، ولم ينصفوا بنصيبهم مما تنبت الأرض. الشمس اشتدت بحرارتها بلا ظل يقي الوجوه، والقمر حزن حتى كاد أن يمتنع عن الظهور، بعدما صار ضياؤه حكرا على المنافقين والمرائين وباعة الضمير.
ومع ذلك يبقى الأمل، فحتى لو ضاع جيل في ظلمات الوباء وتكسرت العظام على صخور الألم، فلا بد أن يخرج جيل جديد، أصلب عودا وأشد بأسا، يرد الحقوق إلى أهلها ويثأر لضحايا الخيانة والنذالة. سيكتب التاريخ من جديد بصفحات بيضاء يسطر فيها أن وقت الحساب قد حل، وأن الدعاء قد استجيب، وأن الفجر عاد بعد ظلمات السنين.
حينها ستشرق شمس العدالة من جديد لتضيء درب الأبرياء وتدعو إلى البناء، وسيعود القمر مصطحبا النجوم والشهب لترسم الطريق نحو غد مشرق، خال من المنافقين والضالين والمتاجرين بالدين. سينتزع الخوف من قلوب الشعوب، وتهزم خفافيش الظلام.
لن يضيع أبدا حق من وقف كالرجال وضحى بروحه في سبيل الآخرين، بينما ظل غيره متفرجا. فلننهض جميعا إلى رفعة وتقدم، ولنجار الشعوب الصامدة التي نهضت من تحت التراب، فكتبت مجدها من جديد.

تعليقات
إرسال تعليق