المشاركات

التشبث بالأمل

صورة
يدور الإنسان في رحى المشكلات، تلاحقه هموم الحياة وتحيط به التحديات من كل صوب، فيتأرجح بين بحار من الأوجاع ويكابد نيران الأحقاد، ويجد نفسه في صراع دائم مع النفوس المريضة. يسابق الزمن لجمع الأموال، ويخاصم القريب والبعيد طلبا لمكاسب زائلة، حتى ليحارب القدر في سبيل لقمة عيش قد كتبها الله له منذ الأزل. يخاف من الموت وهو حق، ويغفل عن الأمانة فيغويَه الشيطان فيسلك طريق المعاصي المزين بالورود الخادعة.  يا لعجب النفس البشرية! لا تشبع ولا ترضى، لا تقنع ولا تسكن، تأنس بالوحدة فرارًا من بطش المتكبرين، لكنها بعد كل ضيق وشقاء تعود لتتعلق بخيط رفيع من الصبر، فتحتسب أمرها عند الله. وهنا يبعث الخالق عز وجل شعاعا من الأمل، يرفرف بجناحي التقوى والإيمان، فيحرر الإنسان من قيوده ويهديه السبيل، فيمضي نحو غايته راضيا مطمئنا، مبتهجا بنصر الله ووعده الحق.  لو لم يكن الأمل، لغدا الإنسان أسيرا كالحيوان يساق بلا عقل، فاقد الضمير في دروب الحياة. إنما جمال الأمل في أن نتمنى الخير والنجاح للآخرين قبل أنفسنا، فالنفس الأمارة بالسوء لا تشبع، أما القلوب المؤمنة فتبقى نابضة بالحب، رافضة للاستعباد، كارهة للظلم وال...

قدوم الطوفان

صورة
حين تتكاثر الخطايا كغيوم سوداء، لا بد أن يجيء الطوفان ليغسل الأرض من رجسها. يعرف الطوفان لغويا في المعاجم العربية بأنه فيضان عظيم، سيل مغرق، ماء غالب يغشى كل شيء، وهو أيضا ما كان كثيرا أَو عظيما من الأَشياء أَو الحوادث بحيث يطغى على غيره مثل الطاعون أو البلاء، فالفيضان زئير السماء إذا غضبت، وهو أمر إلهي بالعقاب ينزله الله تعالى على بعض الأقوام الذين نشروا في الأرض الفساد، وبلغ الظلم منتهاه وبعد أن استشرى الوباء ونخر السوس في أجساد الأمة. فالظلم"جدار يتصدع ببطء حتى ينهار مع أول قطرة حق". الكذب مهما طال أمده لا بد وأن يأتي له يوم سواء كان قريبا أو بعيدا وتتكشف الحقيقة كاملة ويزأر الصدق مع ناطقوه أمام الجميع. الحمد لله الذي أنار بصيرة المؤمنين من البداية وجعلهم يفطنون لما يخطط لهذه البلاد، كما أن هناك أناس أيضا صححوا مسارهم في وسط الطريق وراجعوا أفكارهم وعادوا إلى رشدهم، أما الفئة الباقية ما زالت مستمرة في التأييد الأعمى وكأن على رؤوسهم الطير لا يدرون ولا يشعرون بما آلت إليه أحوال البلاد والعباد. النفاق؛ "أقنعة تتساقط عند أول هبة ريح".  فالمنافقون، يكثرون مع كل عصر. ير...

إصلاح النفوس

صورة
النفس البشرية إذا تركت بلا تهذيب ولا توجيه قادتها الشهوات إلى مهاوي الضياع، فتنجرف وراء الموبقات وتستسلم لأصحاب السوء الذين يزينون لها الباطل من خمر وميسر ولهو ومعاصٍ قاتلة. فطريق الضلال يخدع الكثير ببريق زائف، ويلهيهم بلذات مؤقتة وهفوات مهلكة، حتى يغيب الوعي، ويستسلم الإنسان للغفلة واللامبالاة. لقد أصبح التمدن المزيّف، الذي يتخفى خلف شعارات الحضارة المعاصرة، سببا في انحدار أصحاب القيم الضعيفة إلى الهاوية. فالإعجاب الأعمى بالمجتمعات الغربية ومحاولة تقليدها بلا بصيرة، جعل الكثير يفتن ببهرج الحياة الفارغة، وينسى أن تلك الأمم نفسها عاشت في عصور مظلمة غارقة في الجهل والأوبئة لآلاف السنين، حتى أخذت منّا نحن العلم والأخلاق والمبادئ، فنهضت وتقدمت، بينما تركنا أنفسنا فريسة للتخلف والابتعاد عن الدين. لقد ساعدناهم على ذلك حين أهملنا ديننا وقيمنا، وفرطنا في لغتنا وثقافتنا، ونسينا أننا أصل الحضارة ومن أرضنا أشرقت أنوار العلم إلى العالم. فالعربية، لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، حصن هويتنا ودرع ثقافتنا، ومع ذلك أهملها كثير من الآباء، وفضلوا تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية دون أن يغرسوا فيهم حب لغته...

نهر النيل الخالد

صورة
سيظل نهر النيل – أطول أنهار العالم – يجري بإذن الله، حاملا معه ذاكرة العادات والتقاليد التي زادته ألقا وخلودا. على ضفافه قامت أعرق حضارة بشرية عرفها التاريخ، حضارة علَت وشمخت بفضل مياهه. ومن هضبة الحبشة حيث الأمطار الغزيرة، يندفع النيل الأزرق ليلتقي في الخرطوم مع النيل الأبيض القادم من بحيرة فيكتوريا، ليشكلا معا هذا الشريان الأزلي الذي يروي أرض السودان ثم يتوحد في مجرى واحد نحو مصر، حتى قيل إنه من أنهار الجنة. أقيمت السدود لتكبح جماحه وقت الفيضان، وتمنح الناس الأمن وقت الجفاف، ومنه وُلدت الكهرباء لتضيء البيوت. فمياهه البلورية النقية كأنها مرآة تكشف الوجوه على حقيقتها، وتتمايل فوق الصخور كأنها أنغام موسيقية تعزفها الطبيعة. على امتداده تناثرت الجزر الطبيعية، وزهت ضفتاه بالنباتات النادرة والزهور البديعة. حتى أسماكه وكائناته المائية تميزت بطعم خاص لا مثيل له. ومن طميه خصبت الأراضي شرقا وغربا، فأنبتت الأرض خير ثمارها وامتلأت المخازن بالحبوب، حتى صار يوسف عليه السلام خازن الأرض الأمين. خيراته جابت الدنيا عونا ومددا، فأصبح النيل بحق رمزا للحياة، ومنة من الله تستوجب الشكر والحمد. تغنى به الشعر...

ما زال بصيص الأمل يشق الطريق

صورة
لقد أنهكت الأمل في كتاباتي، واستنزفت قلمي في مواجهة الظلم حتى آخر قطرة من مداده، لكن وجداني لم يقبل الاستسلام. حاولت كلماتي وسط سواد الليل أن تبحث عن منفذ يطل على التفاؤل، فوضعت له موضعا بين السطور خجلا واستحياء. كنت أبشر المقربين أن الذل سيعقبه نصر، وأن الانكسار سيعقبه جبران، فالحياة لا توهب إلا لمن يكافح من أجلها، ومن لم يقاوم فليخلد إلى جوار الأموات نائما بلا استفاقة. ناديت بالعدل في كل موضع، ورجوت الرحمة للنفوس المقهورة، وأيقنت أن الله سبحانه وتعالى يخبئ لنا من الخير ما هو أعظم مما نتصور، وأن لكل شيء عنده قدر معلوم وميعاد محتوم. فانتظروا فرجه القريب ووعده الصادق، فطالما الدم يجري في العروق، والنبض يملأ القلوب، والعقل ما زال قادرا على إدراك الحقيقة، والعين ترى الخير ممتدا، والآذان تتوق للكلمة الطيبة، فإن الأمل باق لا يزول. دعونا نتخذ الأخلاق منهاجا، ونتمسك بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، فهي كلمات ما زالت القلوب تلهج بها سرا، وتبحث عنها ملاذا. فالطيور رغم قسوة الحر والبرد لا تجلس تنتظر من يطعمها، بل تطير وتسعى وراء رزقها، مؤمنة أن الله لن يخذل رجاءها. فلتصبروا وتصابروا، واعملوا...

عمال على الأرصفة… أحياء في هيئة راقدين

صورة
مرة أخرى يبرهن المتحكمون في مصائرنا أن الإنسان البسيط عندهم لا يزيد عن ورقة شجر ذابلة تتساقط في الخريف، تذروها الرياح حيث تشاء، حتى تتناثر شظاياها فلا تعود قادرة على النهوض. لقد أحكمت الحلقة الجائرة قبضتها، واستعانت بقوى الظلام التي لا تتوانى عن سحق ما تبقى من الكرامة وعزة النفس. امتزاج الطبقات وضياع الوسط الخطر يقترب سريعا، والمعادلة باتت ثقيلة على كاهل الناس. فالقضايا الكبرى تغطّى بركام من التوافه، والملفات الجادة تطمس تحت غبار الدعاية المأجورة. هكذا تآكلت الطبقة الوسطى، فاندمجت مع الطبقات الأضعف لتتشارك معها الفقر والخذلان. إن المعركة تدار لتفتيت الجميع قطعة بعد قطعة، حتى يُترك كل طرف وحيداً عاجزا، يواجه كأس المرارة منفردا ما لم يتخذ القرار الشجاع بالتحرك. المصانع والصروح… لمن بنيت؟ من أقام المصانع، ومن سن القوانين دفاعا عن العامل المطحون وكرامة الوطن، لم يخطر بباله أن يأتي من أبناء جلدته من ينقض كل ذلك، ويعمل على طمس التاريخ، والإجهاز على الفقراء. رأس الهرم وحده يتحكم بالخيوط، والبقية مجرد منفذين بلا عزاء، بينما العمال رغم قناعتهم بالقليل وصبرهم على البلاء يواجهون الخديعة والخذلان....

من المسؤول عن جرائم قتل الطالبات في مصر؟!

صورة
شهد المجتمع المصري في السنوات الأخيرة جرائم هزت القلوب وأفقدت الناس الإحساس بالأمان. جرائم قتل بشعة راحت ضحيتها طالبات بريئات في عمر الزهور، قتلن بدم بارد على أيدي من ادّعوا الحب، بينما كانوا يحملون في قلوبهم الحقد والانتقام. ففي العاشر من أغسطس 2022، لقيت سلمى بهجت، طالبة الإعلام بمحافظة الشرقية، مصرعها على يد قاتلها إسلام محمد فتحي، بعد أن طعنها خمس عشرة طعنة في البطن وطعنتين في الظهر، ثم تركها جثة هامدة وفر هاربا، قبل أن يلقى القبض عليه لاحقا. وقبيل هذه الجريمة بأسابيع، وبالتحديد في 20 يونيو 2022، شهدت مدينة المنصورة مأساة مشابهة، حين أقدم محمد عادل على ذبح الطالبة نيرة أشرف أمام أعين المارة في وضح النهار. تشابهت الجريمتان في وحشيتهما، وتطابق فيهما المشهد المروع: دماء بريئة تسيل على الأسفلت، والناس من حول الضحايا يقفون موقف المتفرج، خائفين من سكين بيد قاتل، في لحظة كشفت عن غياب معاني الشهامة والرجولة إلا من رحم الله. والسؤال المؤلم: أين الرجال الذين يدافعون عن الأعراض والشرف؟ وكيف صار الخوف أقوى من نخوة كانت يوما سمة بارزة في مجتمعنا؟ المشاركون في القتل: البيت والتنشئة قبل أن نلقي ا...

سيدة المطر

صورة
ليس مجرد المهارة ما يكفي لتشق طريقك في مواجهة التيار، فأحيانا تحتاج إلى يد تمتد إليك لتقودك إلى شاطئ النجاة. البحر يعجّ بالسباحين، لكن القليل منهم من يملكون العزيمة والإصرار لمواجهة الأمواج العاتية، حتى وإن كانوا من ذوي الإعاقة أو أصحاب الهمم. غير أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس وحوش البحر، بل وحوش البشر، الذين لا يترددون في القفز فوق جثث الأبرياء في سبيل بلوغ أطماعهم، متجردين من كل رحمة. علوم الأرض والفيزياء والكيمياء لم تحم ملايين الأرواح التي تساقطت كالعصافير تحت وابل الرصاص، بعدما حرمت من جناحي الحرية. إلى متى يظل الطغاة غارقين في جبروتهم، لا توقفهم صرخات المظلومين ولا أنين المستضعفين تحت عجلات قطار يندفع بنا إلى الهاوية؟! والسائق فاقد للبصيرة والقدرة، فيما البعض يصفق له استسلاما أو طمعا، والآخرون أُرغموا قسرا على الصمت والرضوخ. السفن لا تبحر بغير قبطان عادل، لكننا ابتلينا بقبطان يقودنا إلى جزيرة مهجورة، عارية من أبسط مقومات الحياة. ما أشد قسوة المشهد حين توهم سمكة صغيرة أنها قادرة على جر جموع الأسماك خلفها، بينما القوة الحقيقية بيد من هم أحق بالقيادة. القمع يكمم الأفواه ويقتل البراعم...

غرق السفينة

صورة
أشد اللحظات على أي قبطان أن يرى سفينته تغرق وهي تحمل أرواحًا بريئة وضعت ثقتها فيه، واعتقدت أن رحلتها ستنتهي بسلام على شاطئ الأمان. فالعلم والخبرة في علوم البحار كانا كفيلين بأن يقود القبطان رحلته بحكمة وهدوء، لو أنه التزم بالقواعد واستمع لأهل الخبرة. لكن حينما يستبد به الغرور ويبتعد عن المنطق، ويتجاهل أسس البناء الصحيح، تصبح الكارثة حتمية. جاء القبطان من بيئة غريبة عن هذا البحر، وظن أن أحلامه وخبراته الشخصية تكفي لتحدي الواقع، فركن إلى الأوهام بدلا من التخطيط، وفضل المظاهر الإعلامية على الجوهر، متطلعًا لكتابة اسمه في سجل العظماء عبر إنجازات شكلية لا جوهر لها. ومع مرور الوقت، أحاط نفسه بحاشية من المنافقين وبطانة من المفسدين، فأهمل الإنسان وقيمته، وأذل المجتمع الذي منحه ثقته، حتى صار الناس كالقطيع لا يطلب منهم إلا الطاعة العمياء. غرق المجتمع في دوامات التشرذم والفساد، وسُحقت كرامة الإنسان في سوق رخيص، وتكسرت النفوس كما تتكسر السفن تحت الأمواج. أما أطواق النجاة فلم تكن سوى للعالية من القوم، فيما تركت الأغلبية المطحونة تصارع الحطام. الأسماك والحيتان شبعت من أجساد الغرقى، بينما علت أصوات ال...

قناة السويس.. رمز العزة والكرامة والتضحية

صورة
قناة السويس بالنسبة للمصريين ليست مجرد مجرى ملاحي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، بل هي رمز للأمل والكفاح ومرآة لتاريخ طويل من التضحيات. فهي المشروع الذي حفره المصريون بعرقهم ودمائهم، ليتحول من مقبرة لآلاف العمال إلى شريان حياة يربط قارات العالم، ويجعل من مصر قلب التجارة الدولية. البدايات والتضحيات بدأ حفر القناة في 25 أبريل 1859 بأمر من الخديوي محمد سعيد باشا، بعد أن منح الفرنسي فرديناند ديلسبس امتياز تنفيذ المشروع. شارك أكثر من مليون مصري في الحفر، قتل منهم ما يزيد عن 120 ألفا نتيجة السخرة والظروف القاسية وانتشار الأمراض. وعلى مدار عشر سنوات تم استخراج نحو 74 مليون متر مكعب من الأتربة، حتى تم افتتاح القناة رسميا في 17 نوفمبر 1869، لتصبح الممر الأهم في العالم، بطول 193.3 كم، تربط الشرق بالغرب وتختصر زمن الرحلات البحرية من أسابيع طويلة إلى أيام معدودة. قناة السويس.. مورد وطني وحصن استراتيجي القناة لم تكن مجرد مورد اقتصادي يدخل العملة الصعبة للدولة، بل أصبحت جزءا من وجدان الشعب المصري ورمزا للسيادة الوطنية. فقد كانت سبباً في أطماع القوى الاستعمارية على مر العصور، وكان لها دور حاسم في ...

الخوف

صورة
الخوف.. شعور يضعف الإنسان الخوف في معناه اللغوي شعور داخلي قد يتحول إلى مرض نفسي يقيّد صاحبه ويضعف قدرته على المواجهة. من يستسلم له يعيش في عزلة، منطويا خلف جدران مغلقة، بعيدا عن النقاشات والحوار والمشاركة في قضايا المجتمع. لكن الصمت في مثل هذه المواقف جريمة، فالأحداث مترابطة، والصغير والكبير كلاهما يتركان أثرا. ومع الطمع يتضاعف الخوف؛ إذ يدفع البعض إلى جمع الثروات ولو على حساب الأرواح، فتسود الأنانية ويغيب الضمير. الخوف من قول الحق كثيرون يكتفون بالمظاهر الدينية دون جوهرها. فإذا مس دينهم وقفوا صامتين، بل حتى الدعاء في السر يخشون أن يبوحوا به. يعيش الخائف أسيرا بين جدران القلق، يتفقد من حوله قبل أن يتحدث خشية أن يُنقل كلامه، فيلوذ بالسكوت أو بالكلام الخافت بين جدران مغلقة. هكذا يتحول الخوف إلى جبن، فيفقد الإنسان كرامته، ويورث أبناءه الذل بدل العزة. التصفيق للباطل فريق آخر من الناس يظن أن نجاته في مسايرة التيار، فيصفق للباطل ويسانده خوفا من البطش والعقاب. فيتحول عقله إلى وعاء للخداع والمعلومات الموجهة، ويستبدل كلمة "لا" بكلمة "نعم" الدائمة. لكن أي إرث يتركه هؤلاء لأب...

حبل الوئام

صورة
المحبة بين البشر ضمانة لسلامة المجتمعات وسط ضجيج الحياة وصعوباتها التي ترهق ظهورنا، يبقى السؤال قائما: ما الذي يمنعنا من الإبقاء على حبل الوئام مشدودا بيننا؟ فالحياة في حقيقتها قصيرة وزائلة، وما يبقى منها إلا العمل الصالح وما ينفع الناس. إن السيرة الطيبة كنز لا يفنى، والموت آية كبرى للتذكير والاعتبار، وحين يسود الوئام تذوب الأحقاد كالجليد وتعود القلوب الضعيفة إلى رشدها والعقول المغيبة إلى وعيها. ظلمة القلوب تفسد المودة والمحبة للأسف، كثيرون يترقبون سقوطنا في وحل الحياة، وتلتف حولنا قوى الشر التي لا يهمها إلا إخضاعنا. صمتنا وخوفنا يغذي قوتهم، بينما محبتنا واتحادنا هما شوكتان في حلوقهم. لقد ضاعت الرحمة من قلوب الناس، وتطاول الصغير على الكبير، وأضحى الاحترام غريبًا عن قاموس حياتنا. فما جدوى مال لا ينفع أو علم يحبس في الصدور؟ لقد تركنا الساحة للجهل حتى اعتلى أعلى المقامات. أصبحت بيوتنا أقرب إلى السجون، وأسوارها قبورا صامتة. فما الذي يورثه الأبناء عن آبائهم؟ هل هو الانكسار والضعف؟ في زمن تكالبت علينا الأمم، لم يجد الأعداء وسيلة أفتك من أياد فاسدة من بيننا. الحق باق إذا تصافت القلوب مهما حاو...

محطة الوصول من قطار الغربة

صورة
الاغتراب بين الاختيار والإجبار تبدو الغربة أشبه بمحطة فاصلة في حياة الأجيال، إذ يدرك كثيرون أن الحصول على القليل من ثمارها أهون من الاستمرار حتى النهاية والعودة بخيبة أمل. فالغربة قطار قاس، قد يصعد إليه الإنسان مختارا، لكنه في الأغلب يدفع إليه دفعا. وما إن تبدأ الرحلة حتى يستحيل القفز منها أو معرفة متى سيكون التوقف الأخير. الخوف من الزمن، وهاجس المستقبل، ومسؤولية الأبناء، كلها تجعل من قرار الاغتراب معضلة معقدة تتشابك فيها الحسابات والمخاوف. قطار لا يرحم لا يفرق قطار الغربة بين شاب في مقتبل العمر أو شيخ هرم، يمضي بالجميع بلا هوادة. يفرح الشاب حين يركبه في بدايات الطريق، غير مدرك أن السنوات ستسرق عمره كما سرقت أعمار من سبقوه. عجلاته تمضي بلا توقف، لا تلوي على من يسقط تحتها ولا تمنح الراكب فرصة للعودة إن فاتته محطة. يتنقل البعض بين محطاته على أمل أن تكون التالية أفضل، حتى يفاجأ بأنه بلغ نهاية الخط وقد وهن الجسد وضاع العمر. حكايات المغتربين ودوافعهم تتعدد الحكايات في هذا القطار، لكن القاسم المشترك بينها هو الإصرار على الاستمرار رغم التحديات. فقد الكثيرون الأهل والأحبة، وتحملوا الفقد والحرم...

جبروت الأسود

صورة
حين نتأمل في طبيعة الأسود وما تختزنه أعماقها، نكتشف أن لا فرق بين ما تضمره وما تعلنه، فهي لا تعرف التنازل عن قيادة القطيع، ولا تقبل أن يشاركها أحد عرش الغابة. حب السيطرة عندها شهوة عارمة، وأوامرها واجبة الطاعة على الضعفاء، حتى يصبح الموت أهون عليهم من مواجهة جبروتها. غاية الأسود أعظم لذتها أن ترى الدماء تسيل، وأن تتلذذ بارتعاش الخائفين والخاضعين. قانونها أن تضرب الحديد وهو ساخن، فهي لا تجلس على عرشها فقط بإرادتها، بل بفضل دعم داخلي وخارجي، ورضا مقهورين كتموا غضبهم لعجزهم، أو منافقين ركعوا لغير الله. توزيع الأدوار داخل الغابة مجرد ديكور، أما السلطة الحقيقية فهي كلها بيد الأسد الذي يحكم قبضته على الجميع. الطريق المرسوم الطرقات الممهدة ليست لروما ولا لعكا، بل مفروشة خصيصا للأسود، تعبث وتلهو بالبسطاء والمستضعفين. ومع مرور السنين، يخيل إليها أن لا أحد يجرؤ حتى على الهمس. غير أن الأقفاص الحديدية صُنعت لذلك اليوم المحتوم، إذ أن جبروت القوة لا يوقف سنن الله؛ فالنهاية السوداء قادمة لا محالة، والحق لا بد أن يشرق ولو بعد حين. الأسود لا تترك عرشها طواعية، فهي لا تعرف سوى الغدر والخيانة، وتبيع الأر...

ثمن الحرية

صورة
منذ أن وُجد الإنسان وهو ينشد الحرية، لكن الطريق إليها كان دائمًا محفوفًا بالألم والتضحيات. كل من رفع صوته مطالبًا بها دفع ثمنًا غاليا؛ سجن، عذب، نكل به، وأُلقي بجسده خلف القضبان وكأن الحلم بالحرية جريمة لا تغتفر. لم يكن يتصور أن ثمنها قد يكون حياته نفسها، فقد تخيلها سهلة كالطير الذي يحلق في فضاء الله الرحب، لا يخشى قيدا ولا سجانا. غير أن الحرية عند البشر ليست هبة، بل صراع دائم مع من أرادوا تحويل الشعوب إلى عبيد. معنى الحرية الحرية ليست شعارا يرفع ولا كلمات تتلى؛ بل هي العدل بين الناس، وحق الإنسان في أن يتكلم ويعمل ويبدع بلا قيود. هي الكرامة التي ترفع الرأس، والمساواة التي تعيد للإنسان إنسانيته. من يرفض الحرية ليس إلا طاغية يريد التحكم في مصائر الآخرين، يسلبهم حقوقهم ويشرع قوانين القمع ليستعبدهم. بينما جعل الله الإنسان خليفة في الأرض، قادرا على التمييز بين الحق والباطل، لا تابعا أعمى لأهواء حاكم متجبر. ضريبة الحرية طريق الحرية مليء بالجراح؛ تقيد الأيدي وتغل الأرجل وتقهر النفوس. الطغاة لم يتورعوا عن ارتكاب أبشع الجرائم: بيع الأوطان، خيانة الأمانة، وإغراق الدنيا بالفساد. صرفوا الأموال لشر...

انتهاء اللعبة

صورة
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وستظل كذلك ما لم ننهض بأنفسنا ونستعيد ما يجعلنا جديرين برفع رؤوسنا عالية من جديد. فالمعركة الحقيقية تبدأ أولا مع العدو القريب الذي تغلغل في نفوسنا، أنهكها، وأوهمها بخدع مدروسة بإحكام منذ زمن بعيد. هل ماتت النفوس تحت وطأة العار؟ هل خمدت النفوس وتغطت بالعار حتى صار صمتها أبلغ دليل على انكسار القلوب؟ لقد ضاع أغلى ما كان يمدنا بالقوة، وما كان يزرع فينا الأمل ويحصن أرواحنا ضد غدر الأيام. لم يبق إلا ذكرى عزيزة كانت ملاذا من هموم البشر، وموئلا لكل عين أنهكها الحزن وظلم الذين شربوا من خيره ثم قابلوه بالجحود. لا مفر من مواجهة المصير كأن الحارس سلم مفاتيح القلعة لعدوه مختالا بكبرياء زائف. لكن سجدة الشكر هي بداية التصحيح، هي عودة ميزان الحق والعرض والشرف، وهي الطريق لطرد الطفيليات العالقة بسطح حياتنا ورميها في قاعٍ سحيق لا نجاة منه. فالأجساد إلى زوال، والمصير واحد مهما طال الزمن. لقد كانت الفكرة شديدة التعقيد، والخطط شيطانية بغيضة، لكن الكارثة الكبرى تكمن في التغاضي عنها. كيف لأمة صنعت الحضارة، وعلمت الدنيا الطب والهندسة والفلك وسائر العلوم، أن تغض الطرف عن ما يهدد...

الإنسانية في أبهى صورها

صورة
الرياضة حين تصبح خلقا ورسالة الرياضة ليست مجرد منافسة على الألقاب، بل أحيانا تتحول إلى لغة سامية تجبر الخواطر وتعلي من قيمة الإنسانية. وهذا ما جسّده مشهد نادر الحدوث حين لبى مؤمن زكريا، نجم الأهلي المصري السابق المصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري، دعوة صديقه محمد صلاح لحضور نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي بين ليفربول وتشيلسي في مايو 2022. انتهت المباراة بفوز ليفربول بركلات الترجيح (6-5) وسط أجواء احتفالية كبرى في ملعب "ويمبلي"، لكن اللحظة الأجمل لم تكن رفع الكأس بقدر ما كانت رؤية مؤمن زكريا على كرسيه المتحرك بين لاعبي ليفربول وهم يلتفون حوله، ويهدون الكأس إليه، ويرقصون معه في مشهد أبكى القلوب وأسعد الملايين. لقد ذكرنا هذا الموقف بأن الرياضة يمكنها أن تصنع ما تعجز عنه السياسة والسلطة والمال: جبر القلوب المنكسرة وإحياء الأمل في النفوس. تعليق السفير البريطاني: صلاح ليس لاعبا عاديا الإنسانية التي أظهرها صلاح لم تمر مرور الكرام، بل وجدت صداها حتى في الدوائر الدبلوماسية. السفير البريطاني في مصر، جاريث بايلي، وصف صلاح بأنه "عبقري ليس عاديا"، مشبهًا إياه بسفير لمصر في بريطانيا. ...

محمد صلاح.. الملك المصري على عرش هدافي ليفربول

صورة
نجم من جينات خاصة يوما بعد يوم يثبت محمد صلاح للعالم أنه ليس مجرد لاعب كرة قدم عابر، بل هو موهبة استثنائية من نسل حضارة ضاربة في عمق التاريخ. ابن مصر الذي خرج من بين ضفاف النيل ليتربع على قلوب الملايين، استطاع أن يجعل من الملاعب الإنجليزية منصة يكتب عليها مجده بحروف من ذهب، حتى صار الأطفال في الشوارع والجماهير في المدرجات يرددون اسمه بفخر وإعجاب. لقد تجاوز صلاح حدود الإنجليز ليصبح رمزا عالميا، فأينما ذهب المصري أو العربي سئل فورا: "هل أنت من بلد محمد صلاح؟". لقد جعل كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، بل لغة إنسانية توحد الشعوب وتذيب الفوارق. سفير العرب والمسلمين لم يكن صلاح مجرد هداف، بل كان رسولا للقيم والأخلاق. بفضل التزامه وسلوكه الراقي، غير نظرة الغرب السطحية عن المسلمين، وأثبت أن العالم العربي والإسلامي زاخر بالموهوبين والقادرين على الإبداع. خلال ست سنوات في الملاعب الإنجليزية، كتب لنفسه تاريخا عظيما، وتمكن من اعتلاء قائمة الهدافين التاريخيين لنادي ليفربول العريق، ليصبح أول لاعب مصري يزاحم أساطير النادي في سجلاته الخالدة. من قرية نجريج إلى القمة بدأت الحكاية من قرية صغيرة في ب...

على أبصارهم غشاوة

صورة
  قال تعالى: “خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”، وقال أيضًا: “وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُون”. صدق الله العظيم.  فيما نزلت الآيات الكريمة نزلت هذه الآيات في الكافرين من المشركين الذين أعرضوا عن الحق، ولكن العجيب أن معناها بات يتكرر في واقعنا بين المسلمين أنفسهم؛ فقد عميت الأبصار عن الحقيقة، وضلت العقول، وارتقى المنافقون إلى صدارة المشهد يقودون خلفهم جموعًا مغلوبة على أمرها، مقيدة الفكر والإرادة. ظهر وجه الدنيا القبيح، فلم يوقر الصغير كبيره، ولم يُكرم الشاب شيخه، وترك العلم وأهله.  قسوة القلوب وضياع الرحمة   امتلأت القلوب بالقسوة، وغابت الرحمة عن كثير من النفوس. مشاهد العنف والقتل والتعذيب صارت مألوفة، وقيود تكبل الطيور فتحرمها من التحليق. كل ذلك أورث الناس اللامبالاة، وأفقدهم الكرامة والإيمان. أصبح الدفاع عن المظلوم جريمة، وساد الخوف، وسيطر حب الذات والأنانية المفرطة.  غشاوة على الأبصار   ليلهم كنهارهم في ال...

الشوق والحنين

صورة
سرقتنا الأيام، وأضاعتنا طرقات الحياة بين عتمة وضباب، حتى صار الحاضر يثقل قلوبنا بأنين لا دواء له. اشتقنا لحلاوة الصبا، ولصفاء تلك اللحظات التي وارتها السنون، وأصبح المشيب بعلاماته النافذة عنوانا لمرحلة تتوشح بالحزن أكثر مما تتزين بالفرح. عجبا لنفس لا تشبع، وعجبا لنفس قست على ذاتها فحبستها في قفص الأوجاع، تبحث عن دفء مفقود وحنين لا ينتهي. ذكريات الماضي هي ذكريات لم تكن مجرد صور عابرة، بل كانت بسمات مشرقة وسط العثرات. كنا نمرح كالفراشات بين البساتين، بقلوب صافية لا تعرف الشرور ولا أثقال الدنيا. ثم جاءت الهموم فأغلقت النوافذ، وسدت الأبواب، وحالت بيننا وبين نسائم الهواء النقي. أجساد أنهكها المرض، وأرواح أضناها الأنين، وبحار من الحرمان حطمت سفننا بعيدا عن شواطئ النجاة. الأفكار التي أثقلت العقول أفكار داكنة تسللت إلى العقول، سلبت منها الرشد، وأورثت القلوب لوعة الفراق. شوق يطاردنا نحو الرجوع، لكن الضباب يغطي الأركان، والقطار ماضٍ في دهس الشرفاء بدل أن يوصلهم إلى بر الأمان. أحلام تراكمت فوق أحلام، لكن الوحل أثقل الخطى، والثلوج جمدت الأقدام. طفل يصرخ من مرارة البعاد، يعد الساعات على أمل لقاء، ي...