قدوم الطوفان
الحمد لله الذي أنار بصيرة المؤمنين من البداية وجعلهم يفطنون لما يخطط لهذه البلاد، كما أن هناك أناس أيضا صححوا مسارهم في وسط الطريق وراجعوا أفكارهم وعادوا إلى رشدهم، أما الفئة الباقية ما زالت مستمرة في التأييد الأعمى وكأن على رؤوسهم الطير لا يدرون ولا يشعرون بما آلت إليه أحوال البلاد والعباد. النفاق؛ "أقنعة تتساقط عند أول هبة ريح". فالمنافقون، يكثرون مع كل عصر. يرقصون كالقرود في سيرك رخيص، يبيعون مواقفهم بثمن بخس." كرم الله تعالى الإنسان بالعقل، ولكن هناك من يقوم بوضع الأقفال علي أبوابه، وذلك لغلق أي رأي أو برهان ممكن أن يصل إليه، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، ولكن ماذا ينتظر الجميع عند قدوم الطوفان!
الطوفان العظيم زمن نوح عليه السلام
عبر سائر العصور... كان السؤالان اللذان يتبادران إلى الذهن هما: هل غرق جميع من في الأرض؛ عدا من كان مع نوح على ظهر السفينة عندما أرسل الله الطوفان؟ وهل كل من على الأرض الآن؛ يعتبرون من نسل من كان في السفينة؟ جاءت الإجابة عن السؤال الأول، صريحة في القرآن الكريم، وهي أن جميع من على الأرض، قد أغرقوا بالطوفان، ولم ينج من البشر ولا من الحيوان، إلا من حمله نوح عليه السلام معه في السفينة، قال الله تعالى: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ)، وهكذا، حين يأذن الله للماء أن ينتفض، يغدو المارد الذي يطيح بجبابرة الأرض في لحظة.
وقال عز وجل: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)، وقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ). جاءت الإجابة على السؤال الثاني أيضا، في النص القرآني، على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية سيدنا نوح عليه السلام فقط، أما المؤمنون الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم أي ذرية، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث. في لحظة واحدة، ارتفعت المياه حتى غطت أعالي الجبال، ولم يبق على الأرض إلا سفينة صغيرة تشق الظلمات، تحمل معها بقية الحياة.
الطوفان في عهد موسى عليه السلام
لعلنا نسترجع قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون لما فيها من العبر والآيات الكثيرة، فلقد طغى فرعون في البلاد حيث قال لقومه أنا ربكم الأعلى وقتل أبناء وبنات بنو إسرائيل واستحى نسائهم وظلم ظلما فجارا، فأرسل الله تعالى رسوله الكريم موسى وجعله يذهب إلى فرعون لكي يهتدي ولكنه أبى وكفر وجمع سحرته أمام عموم القوم لعلهم يكونوا هم الغالبون على موسى وأخيه هارون، فأتى السحرة كما قال رب العزة بسحر عظيم وأرهبوا الناس، فما كان من الله تعالى إلا أن أمر سيدنا موسى ان يخرج عصاه فإذ هي تلقف ما يصنعون.
وسجد السحرة أجمعين صاغرين وقالوا آمنا برب موسى وهارون.
حادثة غرق فرعون
وقعت هذه الحادثة في اليوم العاشر من محرم قبل آلاف السنين لموسى عليه السلام مع فرعون والذي يسمى بيوم عاشوراء، في هذا اليوم بعد المفاوضات والحوار والأخذ والرد والآيات التي جاء بها موسى وبعد أن ألقى عصاه، ونزع يده فإذا هي بيضاء، ومع كل هذه الآيات نرى جبروت فرعون الذي قابل به موسى، حتى وصلنا إلى العاشر من محرم قبل آلاف السنوات فإذا بموسى عليه السلام في هذه اللحظة الأخيرة يقف هاربا مع قومه إلى أن وصلوا الى البحر. لحق به فرعون و جنوده بعرباتهم و أسلحتهم ، يأتون إلى موسى عليه السلام الذي يقف مع بني إسرائيل عند شط البحر ينتظرون اللحظة التي ينقض فيها فرعون عليهم.
فلما تراءى الطرفان، طرف فرعون من جهة، وطرف موسى وبني إسرائيل من جهة، ظن أصحاب موسى أنها نهايتهم، ولا مفر لهم الآن. فإذ بموسى عليه السلام يقول بنبرة الواثق أن الله معه وسيهديه ولن يتركهم، فهم قد سلكوا هذا الطريق، بوحي من الله عز وجل، وهو الذي أمره بأن يسري ببني إسرائيل، فمستحيل أن يتخلى الله عنهم ويتركهم، قال تعالى: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، ومباشرة أوحى الله عز وجل لموسى عليه السلام، أن يضرب بعصاه البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، معجزة لم تخطر على قلب موسى عليه السلام، ولم تحدث من قبل، فكيف ينفلق البحر ويقف هذا السائل كأنه جبلين!
كأنها شلالات؛ والأرض ممهدة بينهما، لا يخاف المرء فيها درك، أي لا يخاف أن يغرق، ولا يخاف أن تكون طينية فينزلق فيها، وفعلا خاض فيها موسى عليه السلام، وبنو إسرائيل، ونجاهم الله عز وجل. خاض فيها فرعون ظنا بكبريائه وجبروته أن الأرض ستبقى ممهدة له، فإذا الله عز وجل يأمر البحر أن ينفلق على فرعون وجنوده فلم يبق منهم أحد، فهذا الماء الذي تشدق به فرعون وقال هذه الأنهار تجري من تحتي، أجراها الله عز وجل من فوقه وكانت سببا في موته.
الطوفان ليس ماضيا دفنته الكتب، إنه قانون يتكرر كلما طغى البشر. قد يأتي في صورة ماء يغمر الأرض، أو في صورة خوف يملأ القلوب، أو جوع ينهش البطون. وكلها رسائل من السماء تقول لنا: أصلحوا قبل أن يأتي الطوفان."

تعليقات
إرسال تعليق