إصلاح النفوس

النفس البشرية إذا تركت بلا تهذيب ولا توجيه قادتها الشهوات إلى مهاوي الضياع، فتنجرف وراء الموبقات وتستسلم لأصحاب السوء الذين يزينون لها الباطل من خمر وميسر ولهو ومعاصٍ قاتلة. فطريق الضلال يخدع الكثير ببريق زائف، ويلهيهم بلذات مؤقتة وهفوات مهلكة، حتى يغيب الوعي، ويستسلم الإنسان للغفلة واللامبالاة.


لقد أصبح التمدن المزيّف، الذي يتخفى خلف شعارات الحضارة المعاصرة، سببا في انحدار أصحاب القيم الضعيفة إلى الهاوية. فالإعجاب الأعمى بالمجتمعات الغربية ومحاولة تقليدها بلا بصيرة، جعل الكثير يفتن ببهرج الحياة الفارغة، وينسى أن تلك الأمم نفسها عاشت في عصور مظلمة غارقة في الجهل والأوبئة لآلاف السنين، حتى أخذت منّا نحن العلم والأخلاق والمبادئ، فنهضت وتقدمت، بينما تركنا أنفسنا فريسة للتخلف والابتعاد عن الدين.


لقد ساعدناهم على ذلك حين أهملنا ديننا وقيمنا، وفرطنا في لغتنا وثقافتنا، ونسينا أننا أصل الحضارة ومن أرضنا أشرقت أنوار العلم إلى العالم. فالعربية، لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، حصن هويتنا ودرع ثقافتنا، ومع ذلك أهملها كثير من الآباء، وفضلوا تعليم أبنائهم اللغات الأجنبية دون أن يغرسوا فيهم حب لغتهم الأم. واللغات الأجنبية ليست عيبا إذا كانت وسيلة لحماية ثقافتنا لا لطمسها.


الحرب اليوم لم تعد بالسيف فقط، بل بالفكر والهوية واللغة، وبإضعاف الدين والعقيدة، حتى وصلت الجرأة إلى التطاول على نبينا "صلى الله عليه وسلم". ومع ذلك، لا يزال بعض أبناء الأمة يحلمون بالعيش تحت ظل تلك المجتمعات التي تحترم دينها المحرّف، بينما تسخر من الإسلام وتشوّه صورته.


أيها الأحبة، لقد غلبنا حب الدنيا على الآخرة، وصرنا نغرق في اللهو وننسى الصلاة، عماد الدين وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة. الخمر والزنا وسائر الكبائر ما هي إلا سلاسل تقود النفس إلى الهلاك. إن النفس تحتاج إلى قائد رشيد يوجهها نحو الخير لا نحو الباطل، والأمة تحتاج إلى رجال أقوياء يتمسكون بدينهم ويضحون من أجله.


المصائب والابتلاءات لا تعني الانقلاب على القيم والثوابت، بل هي سنة الله في خلقه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. فالهروب إلى الغفلة والمخدرات لا يغيّر الواقع، ولا يحرر الأرض ولا يحفظ الكرامة.


إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى إصلاح النفوس قبل بناء الحجر. فبصلاح الإنسان تصلح الأمة، وبالعمل الصالح ترتفع الموازين، وبالصدق والرحمة والتكافل يقوى المجتمع. وكلما عظم بر الوالدين، وحفظت الأرحام، وزاد الخشوع في الصلاة، ازداد التوفيق وعمّت الطمأنينة.


وعد الله حق: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ (شرط) – ﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ (وعد) – ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (مكافأة). فحقق الشرط، تنل الوعد، وتفز بالمكافأة.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة