الإنسانية في أبهى صورها
الرياضة حين تصبح خلقا ورسالة
الرياضة ليست مجرد منافسة على الألقاب، بل أحيانا تتحول إلى لغة سامية تجبر الخواطر وتعلي من قيمة الإنسانية. وهذا ما جسّده مشهد نادر الحدوث حين لبى مؤمن زكريا، نجم الأهلي المصري السابق المصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري، دعوة صديقه محمد صلاح لحضور نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي بين ليفربول وتشيلسي في مايو 2022.
انتهت المباراة بفوز ليفربول بركلات الترجيح (6-5) وسط أجواء احتفالية كبرى في ملعب "ويمبلي"، لكن اللحظة الأجمل لم تكن رفع الكأس بقدر ما كانت رؤية مؤمن زكريا على كرسيه المتحرك بين لاعبي ليفربول وهم يلتفون حوله، ويهدون الكأس إليه، ويرقصون معه في مشهد أبكى القلوب وأسعد الملايين. لقد ذكرنا هذا الموقف بأن الرياضة يمكنها أن تصنع ما تعجز عنه السياسة والسلطة والمال: جبر القلوب المنكسرة وإحياء الأمل في النفوس.
تعليق السفير البريطاني: صلاح ليس لاعبا عاديا
الإنسانية التي أظهرها صلاح لم تمر مرور الكرام، بل وجدت صداها حتى في الدوائر الدبلوماسية. السفير البريطاني في مصر، جاريث بايلي، وصف صلاح بأنه "عبقري ليس عاديا"، مشبهًا إياه بسفير لمصر في بريطانيا. وأضاف: "في البداية استغرب كثيرون التعاقد معه، لكن سرعان ما دخل قلوب الناس، وأصبح الأطفال في كل أنحاء بريطانيا يرددون اسمه."
كلمات السفير لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل شهادة صادقة على أثر محمد صلاح، الذي جمع بين موهبة فذة وأخلاق راقية، ليصبح أيقونة كروية وإنسانية في آن واحد.
صدى عالمي واحتفاء إعلامي
وسائل الإعلام العالمية تنافست في تغطية المشهد المؤثر.
صحيفة ذا صن البريطانية كتبت أن احتفالات ليفربول "الملحمية" ازدانت بمشاركة مؤمن زكريا بفضل دعوة صلاح.
موقع Sportbible أشاد باللحظة، مؤكداً أن مرض زكريا لم يمنعه من أن يكون جزءا من الفوز وكأنه لاعب من الفريق.
صحيفة ليفربول إيكو ركزت على استقبال الفريق لزكريا في غرفة الملابس، معتبرة المشهد رسالة إنسانية راقية وصلت للعالم بأسره.
أما دار الإفتاء المصرية فقد علقت على الصور قائلة: "الإنسانية قبل التدين، والأخلاق الحقيقية جبر للخواطر."
محمد صلاح.. أكثر من لاعب
لم يكن مشهد مؤمن زكريا مجرد لفتة عابرة، بل دليل على المكانة الاستثنائية التي يحظى بها محمد صلاح داخل ليفربول. فالنادي لم يتردد في تلبية دعوته، وهو ما يعكس تقديره العميق له، حتى صار صلاح أحد أساطير "الريدز" بلا جدال.
لقد صار حب الجماهير لصلاح في ليفربول شيئا لا يقدر بثمن: تماثيل، جداريات، أغاني وأهازيج لا تتوقف. هي مكاسب معنوية لا يمكن أن تعوضها أي عقود مالية في ناد آخر. فالمال قد يكسبك ثراء، لكن الحب والخلود في ذاكرة الجماهير هو الثروة الحقيقية.
رسالة مفتوحة إلى صلاح
يا صلاح.. لقد منحتنا ما هو أعظم من الأهداف والبطولات. منحتنا الأمل بأن الرياضة يمكن أن تكون جسرا للإنسانية، وصوتاً للخير، وصورة مشرفة لمصر والعرب والإسلام. نحن نعلم أن أمامك تحديات كثيرة وإغراءات مادية، لكن ما صنعته في ليفربول لا يقاس بالمال.
أنت اليوم لست مجرد لاعب، بل رمز إنساني يذكرنا أن الأخلاق والقيم يمكنها أن تعيد للعالم شيئا من إنسانيته المفقودة. وكما بدأت مشوارك بإيمان وعزيمة، سنثق أنك ستتخذ القرار الذي يمليه عليك قلبك وعقلك، القرار الذي يليق بمكانتك ويخلد رسالتك.

تعليقات
إرسال تعليق