من المسؤول عن جرائم قتل الطالبات في مصر؟!

شهد المجتمع المصري في السنوات الأخيرة جرائم هزت القلوب وأفقدت الناس الإحساس بالأمان. جرائم قتل بشعة راحت ضحيتها طالبات بريئات في عمر الزهور، قتلن بدم بارد على أيدي من ادّعوا الحب، بينما كانوا يحملون في قلوبهم الحقد والانتقام.


ففي العاشر من أغسطس 2022، لقيت سلمى بهجت، طالبة الإعلام بمحافظة الشرقية، مصرعها على يد قاتلها إسلام محمد فتحي، بعد أن طعنها خمس عشرة طعنة في البطن وطعنتين في الظهر، ثم تركها جثة هامدة وفر هاربا، قبل أن يلقى القبض عليه لاحقا. وقبيل هذه الجريمة بأسابيع، وبالتحديد في 20 يونيو 2022، شهدت مدينة المنصورة مأساة مشابهة، حين أقدم محمد عادل على ذبح الطالبة نيرة أشرف أمام أعين المارة في وضح النهار.


تشابهت الجريمتان في وحشيتهما، وتطابق فيهما المشهد المروع: دماء بريئة تسيل على الأسفلت، والناس من حول الضحايا يقفون موقف المتفرج، خائفين من سكين بيد قاتل، في لحظة كشفت عن غياب معاني الشهامة والرجولة إلا من رحم الله. والسؤال المؤلم: أين الرجال الذين يدافعون عن الأعراض والشرف؟ وكيف صار الخوف أقوى من نخوة كانت يوما سمة بارزة في مجتمعنا؟


المشاركون في القتل: البيت والتنشئة


قبل أن نلقي اللوم على القتلة وحدهم، علينا أن ننظر في المرآة ونسأل: ماذا حدث لأسرنا؟

غياب التربية السليمة، وانشغال الآباء بجمع المال، وإهمال المراقبة والتقويم، جعل الأبناء فريسة سهلة لشياطين الإنس والجن. تركناهم في حضن الإنترنت بلا ضوابط، بينما الغرب استغله للتقدم، ونحن جعلناه منفذا للانحرافات الأخلاقية والعلاقات المحرمة.


الإسلام وضع لنا أسس التربية: ثوابا وعقابا، قدوة ومحاسبة، رعاية بالحب وحزم بالعدل. لكننا استبدلناها بتقليد أعمى للغرب تحت شعار "التحضر والانفتاح"، فكانت النتيجة أجيالا مشوشة، ضعيفة الوازع، ترى في القتل سبيلا للانتقام من الحب الفاشل أو الغيرة المريضة.


المأساة أن القاتلين كانا يعلمان أن مصيرهما الإعدام، ومع ذلك نفذا جريمتيهما بدم بارد. لم ترق قلوبهما لدموع الضحيتين ولا توسلاتهما. أي قسوة هذه التي تجعل الموت أهون عندهما من كبح شهوة أو لذة زائلة؟!


الإعلام: شريك في الجريمة


لا يمكن إغفال دور الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في ترسيخ هذه الكوارث.

إعلام يبحث عن الإثارة والسبق الصحفي، يبيع القضايا على موائد الإعلانات، ويعيد إشعالها كلما خبا نورها، لا رحمة بالضحايا ولا وعي بمسؤولية. والأسوأ أنه منح القتلة مساحة للتعاطف، وصوّرهم ضحايا للحب المرفوض! حتى وصل الأمر ببعض الأصوات إلى محاولة التأثير على القضاء لتخفيف العقوبة.


هذا الإعلام المضلل لم يعد ناقلا للحقائق، بل صار أداة تغييب وتفتيت لقيم المجتمع، فبدلا من أن يكون حائط صد ضد الانحراف، صار أحد مصادره، يجمل صورة المجرم ويترك المجتمع فريسة للبلبلة والانقسام.


الممسكون بزمام الأمور


لا بد أن نعترف أن فساد المجتمع يبدأ من فساد من يقودونه. من ألغى التربية الدينية من مناهج التعليم، ومن سمح للأعمال الفنية الهابطة أن تتصدر المشهد وتطبع في عقول الناشئة، ومن ترك المنابر فارغة للعابثين، وحجب العلماء الصادقين، هو شريك في الجريمة.


جيل كامل نشأ على أفلام تمجد البلطجة، وأغان مبتذلة، وإعلام يشجع على الانحلال، بينما غيبت القيم والمبادئ والتربية الرشيدة. ثم نتساءل: لماذا زادت الجرائم؟!


المجتمع الذي يترك أفراده يتناحرون على لقمة العيش، ويغض الطرف عن اللصوص والأوغاد الذين ينهبون قوت الناس، هو مجتمع يدفع أبناءه دفعا إلى الهاوية.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة