ما زال بصيص الأمل يشق الطريق

لقد أنهكت الأمل في كتاباتي، واستنزفت قلمي في مواجهة الظلم حتى آخر قطرة من مداده، لكن وجداني لم يقبل الاستسلام. حاولت كلماتي وسط سواد الليل أن تبحث عن منفذ يطل على التفاؤل، فوضعت له موضعا بين السطور خجلا واستحياء. كنت أبشر المقربين أن الذل سيعقبه نصر، وأن الانكسار سيعقبه جبران، فالحياة لا توهب إلا لمن يكافح من أجلها، ومن لم يقاوم فليخلد إلى جوار الأموات نائما بلا استفاقة.


ناديت بالعدل في كل موضع، ورجوت الرحمة للنفوس المقهورة، وأيقنت أن الله سبحانه وتعالى يخبئ لنا من الخير ما هو أعظم مما نتصور، وأن لكل شيء عنده قدر معلوم وميعاد محتوم. فانتظروا فرجه القريب ووعده الصادق، فطالما الدم يجري في العروق، والنبض يملأ القلوب، والعقل ما زال قادرا على إدراك الحقيقة، والعين ترى الخير ممتدا، والآذان تتوق للكلمة الطيبة، فإن الأمل باق لا يزول.


دعونا نتخذ الأخلاق منهاجا، ونتمسك بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية، فهي كلمات ما زالت القلوب تلهج بها سرا، وتبحث عنها ملاذا. فالطيور رغم قسوة الحر والبرد لا تجلس تنتظر من يطعمها، بل تطير وتسعى وراء رزقها، مؤمنة أن الله لن يخذل رجاءها. فلتصبروا وتصابروا، واعملوا بإخلاص، فإن الأمل سيعود لا محالة.


لقد استغل الطغاة خوف الناس سلاحا، ورقص ملوك الباطل على أجساد الفقراء والمحرومين استهزاء واستكبارا. حتى الميسورون وقعوا في فخ المادة، وارتشفوا من كأس الخوف المخادع. ساعدهم في ذلك المتملقون ودراويش الكلام ومحترفو الخداع، خفافيش هذا العصر. لكن زمن الانكسار وازدراء عقول البسطاء قد ولى، فأصبح الواقع مكشوفا، حتى الطفل الصغير أدرك ما يحاك لمستقبله، وكيف يباع حاضره في سوق المكر الرخيص.


لقد نجح السحرة في تفتيت جسد الأمة إلى أجزاء صغيرة يسهل كسرها وتطويعها، فذاقت الأغلبية مرارة الفقر والقهر، وتركوا على قارعة الطريق بلا حول ولا قوة. أما رواد الفكر وأصحاب الأقلام الحرة فقد حُوصِروا بالحديد والخرسانة، وحُرموا حتى من هواء نقي، وامتلأت الزنازين بالثعابين والعقارب في انتظارهم. أما المنابر فقد منحت لأبواق تزيّن الباطل وتطمس الحق، يعوون ليل نهار لتسميم العقول وتضليل الأفكار.


لقد ضاع الحق بين بحور الدماء، فبرئ الخائن وسُجن الشريف، وكُرّم الفاسد وسُرقت الأمانة واغتُصبت الحياة. تبا للخطوات التي تسير في درب الطاغوت، وقبل أن توقعوا صك العبودية استفتوا قلوبكم، فإن الله لا يرضى بالظلم على عباده، وإنما يمهل ولا يهمل.


مهما حاولوا إخفاء النور، فلكل بيت نافذة تطل على الشمس، ومهما اشتد الظلم فالتاريخ شاهد أن الطغاة لا يخلدون على القمة طويلا. فكلما ضاق الخناق اقترب الفرج، وكلما اكتملت الدائرة كان انكسارها أقرب وأسهل.


غيروا ما بأنفسكم، فالنصر معادلته واضحة: الأخلاق حين تمتزج بالاتحاد تسقط كل المستحيلات.


تمسكوا ببصيص الأمل الذي يلوح في الأفق، فهو وعد الله لعباده المظلومين، ولن يخلف الله وعده.

تعليقات