نهر النيل الخالد
أقيمت السدود لتكبح جماحه وقت الفيضان، وتمنح الناس الأمن وقت الجفاف، ومنه وُلدت الكهرباء لتضيء البيوت. فمياهه البلورية النقية كأنها مرآة تكشف الوجوه على حقيقتها، وتتمايل فوق الصخور كأنها أنغام موسيقية تعزفها الطبيعة. على امتداده تناثرت الجزر الطبيعية، وزهت ضفتاه بالنباتات النادرة والزهور البديعة. حتى أسماكه وكائناته المائية تميزت بطعم خاص لا مثيل له.
ومن طميه خصبت الأراضي شرقا وغربا، فأنبتت الأرض خير ثمارها وامتلأت المخازن بالحبوب، حتى صار يوسف عليه السلام خازن الأرض الأمين. خيراته جابت الدنيا عونا ومددا، فأصبح النيل بحق رمزا للحياة، ومنة من الله تستوجب الشكر والحمد.
تغنى به الشعراء عشقا وتمجيدا، وكتب الأدباء والرحالة صفحات لا تنتهي عن عطائه وجماله، حتى قال هيرودوت كلمته الشهيرة: "مصر هبة النيل". فمن أراد الحب والصفاء قصد ضفافه، ومن أصابه الحزن وجد فيه عزاء وراحة بال. عند هديره ينظم الفكر، وعلى أمواجه تحلق الطيور وتكمل رحلة الكفاح.
شروق الشمس على سطحه لوحة أمل، وغروبها قصيدة وداع، وفي الليل يضيء القمر صفحاته بسحر خاص لا يضاهى. ما من أحد شرب من مياهه إلا عاد إليه مشدودا بالحنين والانتماء. حتى الجبال على ضفافه بدت كالحراس الأمناء، تحفظ أسراره وتحيط به وقارا.
النيل شاهد على تاريخ مصر، على ثوراتها وبطولات أبنائها، وعلى تراث إنساني لا يُقدّر بثمن. عبد الفراعنة خيره، وقدموا له القرابين، وشيدوا على ضفافه المعابد، وحفظوا تماسيحه المحنطة كرمز باق حتى اليوم. ومن مياهه اخترعوا السفن فأبحروا شمالا وجنوبا، وازدهرت تجارتهم، ودفنوا مقابرهم بجواره دلالة على التصاقهم به ووفائهم له.
الماء هو أساس التنمية والحياة، فكيف نفرط في نهر حافظ عليه الأجداد منذ آلاف السنين بدمائهم وتضحياتهم؟ لقد كان النيل فتيا لا يشيخ، وظل شريان الحياة لمصر والسودان معا، فهل نكون نحن – أحفادهم – أمناء على هذا الميراث المقدس، أم نضيع ما لا يعوض؟

تعليقات
إرسال تعليق