محطة الوصول من قطار الغربة



الاغتراب بين الاختيار والإجبار

تبدو الغربة أشبه بمحطة فاصلة في حياة الأجيال، إذ يدرك كثيرون أن الحصول على القليل من ثمارها أهون من الاستمرار حتى النهاية والعودة بخيبة أمل. فالغربة قطار قاس، قد يصعد إليه الإنسان مختارا، لكنه في الأغلب يدفع إليه دفعا. وما إن تبدأ الرحلة حتى يستحيل القفز منها أو معرفة متى سيكون التوقف الأخير. الخوف من الزمن، وهاجس المستقبل، ومسؤولية الأبناء، كلها تجعل من قرار الاغتراب معضلة معقدة تتشابك فيها الحسابات والمخاوف.


قطار لا يرحم


لا يفرق قطار الغربة بين شاب في مقتبل العمر أو شيخ هرم، يمضي بالجميع بلا هوادة. يفرح الشاب حين يركبه في بدايات الطريق، غير مدرك أن السنوات ستسرق عمره كما سرقت أعمار من سبقوه. عجلاته تمضي بلا توقف، لا تلوي على من يسقط تحتها ولا تمنح الراكب فرصة للعودة إن فاتته محطة. يتنقل البعض بين محطاته على أمل أن تكون التالية أفضل، حتى يفاجأ بأنه بلغ نهاية الخط وقد وهن الجسد وضاع العمر.


حكايات المغتربين ودوافعهم


تتعدد الحكايات في هذا القطار، لكن القاسم المشترك بينها هو الإصرار على الاستمرار رغم التحديات. فقد الكثيرون الأهل والأحبة، وتحملوا الفقد والحرمان، لأن عجلة القطار لا تسمح بالتوقف. في الماضي، لم تدم رحلة الغربة سوى شهور، أما اليوم فهي سنوات طويلة قد تبتلع العمر كله. يعود البعض في نعوش بعدما أفنوا أعمارهم في جمع المال، ليكتشفوا أن الحصيلة كانت خاسرة. فالمكسب المادي لم يعوض خسارة العمر والراحة والذكريات التي ذهبت سدى.


استغلال حاجات المغتربين


لم يعد قطار الغربة رحلة للعلم كما كان يوما، بل صار وسيلة يستغل فيها المحتاجون والمغلوبون على أمرهم. تباع أحلامهم في سوق الوهم، وتستنزف طاقاتهم تحت شمس غريبة بلا حماية، وتسحق كرامتهم تحت رحمة أرباب المال. تحوّلوا إلى آلات تدور في ساقية لا تسقي زرعًا لهم فيه نصيب، وأضحوا أسرى لدينار وريال لا يتركان إلا آثار المرض والخذلان.


الخلاصة


الغربة ليست مجرد رحلة سفر، بل قطار طويل ينهش أعمار الراكبين ويبدد أحلامهم. وبين من يستسلم لمصيره ومن يتمرد عليه، يظل السؤال قائما: هل من سبيل إلى النجاة إلا بالتمسك بالأهل والوطن، حيث الكرامة الحقيقية والحياة الكريمة؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة