سيدة المطر

ليس مجرد المهارة ما يكفي لتشق طريقك في مواجهة التيار، فأحيانا تحتاج إلى يد تمتد إليك لتقودك إلى شاطئ النجاة. البحر يعجّ بالسباحين، لكن القليل منهم من يملكون العزيمة والإصرار لمواجهة الأمواج العاتية، حتى وإن كانوا من ذوي الإعاقة أو أصحاب الهمم.


غير أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس وحوش البحر، بل وحوش البشر، الذين لا يترددون في القفز فوق جثث الأبرياء في سبيل بلوغ أطماعهم، متجردين من كل رحمة. علوم الأرض والفيزياء والكيمياء لم تحم ملايين الأرواح التي تساقطت كالعصافير تحت وابل الرصاص، بعدما حرمت من جناحي الحرية.


إلى متى يظل الطغاة غارقين في جبروتهم، لا توقفهم صرخات المظلومين ولا أنين المستضعفين تحت عجلات قطار يندفع بنا إلى الهاوية؟! والسائق فاقد للبصيرة والقدرة، فيما البعض يصفق له استسلاما أو طمعا، والآخرون أُرغموا قسرا على الصمت والرضوخ.


السفن لا تبحر بغير قبطان عادل، لكننا ابتلينا بقبطان يقودنا إلى جزيرة مهجورة، عارية من أبسط مقومات الحياة. ما أشد قسوة المشهد حين توهم سمكة صغيرة أنها قادرة على جر جموع الأسماك خلفها، بينما القوة الحقيقية بيد من هم أحق بالقيادة.


القمع يكمم الأفواه ويقتل البراعم قبل أن تزهر، لكنه لن يفلح في كسر إرادة الملايين. الظالمون غافلون عن المصير الذي ينتظرهم، والموت الذي يرونه نهاية رحيمة قد يكون راحة لهم، لكنه بداية لنهاية سلطانهم وجبروتهم. إن نهضة الشعوب تبدأ حين ينهض الضعفاء ويكسرون قيود الخوف، وينفضون عن جباههم غبار الذل، ويفترسون جلاديهم بأسنان الإصرار.


كم خدع الطغاة أنفسهم حين اعتقدوا أنهم ملوك فوق السجادة الحمراء، يحلقون في الفضاء ويمتدون إلى القمر والنجوم! لكن الحقيقة أنهم يلهون بمعادلة مختلة لا تحتمل المواربة: إما الحق وإما الباطل.


يا أيها الأب، ماذا تفيد أموالك إذا كنت عاجزا عن منح ابنك كرامته؟! وماذا تنفع الطرق الممهدة أمام البيوت، إذا كانت بقية الطرقات خرابا؟! وما قيمة الحرير على أجسادنا، وجيراننا عراة فوق قضبان الحديد؟! ما نفع القصور العالية، إن كانت قد تسقط فجأة فتصير ترابا ورمادا؟!


أي زمن هذا الذي نسي فيه الأخ أخاه، وأهمل الأبناء آباءهم حتى ألقوا بهم في دور العجزة، أو تركوهم في مصحات الأمراض النفسية؟!


وحدها سيدة المطر وقفت شامخة تحت رذاذ السماء، تشكر الله على نعمه، بينما تركناها وحدها في مواجهة قسوة الحياة. حقها في أعناقنا جميعا، لكنها ضاعت بين أنانيتنا ولا مبالاتنا، حتى صارت دموعنا شحيحة لا تساوي قطرة في محيط مترامي الأطراف.


اغفرينا يا أمهات الأرض جميعا، لأننا صمتنا على الباطل، وقيدنا أيدينا، وأخرسنا حناجرنا، ودفنا الحرية في ظلمات الليل. لكنّ الأبواب الموصدة ما زالت فيها شقوق يطل منها شعاع النور، يحمل معه فجرا جديدا، يطرد زوار الفجر الفاجرين، ويعيد الكرامة إلى الوجوه.


الحلم قادم مهما حاولوا وأد الفكرة في مهدها، ومهما نصبوا المتاريس وشيدوا الأسوار، فإن رايات الظلم ستسقط لا محالة، بإذن الرحمن، ثم بعزيمة أجيال صلبة لا تنكسر، تحمل في قلوبها اليقين بنصر الله: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".


فاللئام والمنافقون يخشون ساعة انفجار بركان الغضب في صدورنا، تلك اللحظة التي ستعلن نهاية كل متجبر على هذه الأرض الطيبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة