غرق السفينة

أشد اللحظات على أي قبطان أن يرى سفينته تغرق وهي تحمل أرواحًا بريئة وضعت ثقتها فيه، واعتقدت أن رحلتها ستنتهي بسلام على شاطئ الأمان. فالعلم والخبرة في علوم البحار كانا كفيلين بأن يقود القبطان رحلته بحكمة وهدوء، لو أنه التزم بالقواعد واستمع لأهل الخبرة. لكن حينما يستبد به الغرور ويبتعد عن المنطق، ويتجاهل أسس البناء الصحيح، تصبح الكارثة حتمية.


جاء القبطان من بيئة غريبة عن هذا البحر، وظن أن أحلامه وخبراته الشخصية تكفي لتحدي الواقع، فركن إلى الأوهام بدلا من التخطيط، وفضل المظاهر الإعلامية على الجوهر، متطلعًا لكتابة اسمه في سجل العظماء عبر إنجازات شكلية لا جوهر لها. ومع مرور الوقت، أحاط نفسه بحاشية من المنافقين وبطانة من المفسدين، فأهمل الإنسان وقيمته، وأذل المجتمع الذي منحه ثقته، حتى صار الناس كالقطيع لا يطلب منهم إلا الطاعة العمياء.


غرق المجتمع في دوامات التشرذم والفساد، وسُحقت كرامة الإنسان في سوق رخيص، وتكسرت النفوس كما تتكسر السفن تحت الأمواج. أما أطواق النجاة فلم تكن سوى للعالية من القوم، فيما تركت الأغلبية المطحونة تصارع الحطام. الأسماك والحيتان شبعت من أجساد الغرقى، بينما علت أصوات الناس بالذعر واليأس.


أيعقل أن يموت الشرفاء ليعلو الأنجاس؟! نحن من نصنع توابيتنا ونلقي بأنفسنا فيها، ثم نلوم القدر! سكتنا دهورا عن الحق، وخفنا من أسد واحد ونحن كثرة، بينما لو تحركنا لهرب من جموعنا مذعورا.


لكن الأمل لم ينقطع بعد؛ فالعبرة تستلهم من الماضي، والإرادة تولد في الحاضر، والمستقبل ينتظر أبناءنا. تقديس القبطان عار على الأمة، فهو بشر يخطئ ويُصيب، لكن قبطاننا هذا كان رئيسا للخطايا، وملكا للشرور، وقائدا للصوص، وفارسا للخيانة.


اليوم، السفينة على وشك الغرق، والمشهد صار مسرحا للجريمة: جثث تطفو، وأخرى تتفحم، وثالثة تتشبث بالحياة. ومع ذلك يرفع القبطان صوته متبجحا: "أنتم السبب، أنتم لم تحسنوا العمل!". نسي أنه أنفق القروض على الزينة والمظاهر بدلا من إصلاح العطب في أعماق السفينة.


وعندما نفد صبر العالم وتوقف عن دعمه، كشف الزمن زيفه. لم يعد هناك عون بلا مقابل، ولم تعد المساعدات مجانية. كل سفينة باتت تبحث عن مصالحها، والعالم يتقاسم البحار بالتحالفات والحروب.


وأمام هذا المصير المحتوم، يبقى السؤال: ماذا سنفعل نحن حين يقفز القبطان أولا هاربا مع حاشيته تاركا السفينة تغرق بنا جميعا؟ هل سنظل صامتين ننتظر الموت، أم سنتمسك بآخر خيط من الأمل لننقذ ما تبقى من حياتنا وكرامتنا؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة