الوسية (الفقراء يسيرون مع القطيع نحو الهاوية)
على الأرجح، وردت كلمة الوسية في معاجم اللغة العربية بمعنى المواساة والتسلية، لكننا هنا لا نقصد هذا المعنى، بل نعود إلى الدلالة الشعبية القديمة التي عرفها أجدادنا في مصر. فالوسية كانت تعني العزبة أو الإقطاعية التي يملكها شخص واحد، يتسلط فيها على الأرض ومن عليها، حتى جاءت ثورة 23 يوليو فقضت على تلك الظاهرة وحاولت محوها من الذاكرة. غير أن الوسية عادت اليوم في ثوب جديد، أكثر شمولا وأشد قسوة، إذ تجمعت كل الوسيات تحت إمرة شخص واحد، يمشي متوجا على عرشٍ صنع لنفسه، يأمر فيطاع، وينهى فلا يعصى. صار المتحكم في مصائر العباد، يتلهى بآلامهم، ويمهد لنفسه طريقًا مفروشا بالورود، بينما يسلك الناس دروبا وعرة، لا يملكون إلا الانصياع. فكر الاستعباد الجديد لقد تبدلت الوسائل، لكن الفكرة هي نفسها: فكر الاستعباد هو المستعمر الجديد للقلوب. يكفي الناس لقمة طعام – إن وجدت – مقابل خدمة إجبارية في أراضي الوسية. وما أعجب الحاشية وهي تومئ برؤوسها خضوعا وتبجيلا، وكأن صاحب الوسية ملاك هبط من السماء! الخطاب الموجَّه اليوم إلى العمال والفلاحين والطبقة المتوسطة التي تلاشت، وإلى الفقراء الذين ازدادوا حتى صاروا أغلبية، هو ذا...