سد النهضة الخطر الداهم على مصرنا الحبيبة

يعد السبب الحقيقي لسد النهضة هو كسر عزيمة المصريين، ومن ثم تقييد أيديهم خلف ظهورهم. فإذا صدقناهم أي الإثيوبيين في السبب المعلن، لجلب التنمية لبلدهم الفقير نسبيا، وهذا حق مشروع بالرغم من أن هذه الدولة تسبح على أنهار عديدة، داخل أراضيها فلماذا اختارت هذا الفرع خصيصا! وهو النيل الأزرق الذي يمد نيلنا بحوالي 80% من المياه، ولهم ما شاءوا ولكن هذا كله لا يجوز، أن يكون على حساب حصة مصر التاريخية في النيل الخالد والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويا من المياه. 


شريان الحياة في مصر قديما وحديثا، فلولا النيل وتقديسه، من قبل الفراعنة ما بنوا حضارة السبعة آلاف عام، والباقي من آثارها حتى الآن. الشعب المصري يريد الخير للجميع  وفي نفس الوقت أن تظل كلمة مصر مرفوعة بالحق والعدل، وأن تستعيد ريادتها المفقودة كشقيقة كبرى، لكل الدول الأفريقية ومعينة لهم، أما وأن تدخل حلبة الصراع قوى أخرى، وتقف بجانب أثيوبيا، وتحارب مصر وشعبها، في مصدر قوتها ومصدر حياة شعبها.


هذه هذه المعضلة الكبرى. فأثيوبيا مهما تحدثت وتعالت صيحاتها وتعلقت بالأوهام الزائفة، لا تقدر على محاربة مصر لاعتبارات عديدة. لمن أراد أن يفهم معنى النيل فليشاهد سريانه، ليس فقط بالمياه ولكن بالتقاليد والقيم، الذي أرساهما على ضفافه، وليفكر الجميع للحظة ماذا لو جفت مياه النيل أو نقصت!  فكيف ستكون الحياة وحجم الخراب، فمصر في المقام الأول والأخر، بلد قائم على الزراعة، وكانت يوما مكانا لخزائن الأرض، وكان لتنوع محاصيلها وخضراوتها وفاكهتها. لم تشهد أراضيها يوما تشققا ولا حرمانا. 


مصر تفاوض من مركز ضعف الآن، ومن يتحكمون يمتازون باللطف والرقة، ولكنهم لا يعلمون أن الشعب لن يحارب أثيوبيا أولا بل سيبدأ السيل والبركان أولا بالمتخاذلون المفرطون الكاذبون المنافقون، وبعد ذلك سوف نتجه إلى أثيوبيا، لكي نتحكم في منابع النيل الخالد. قد أحزننا جميعا تهديد رئيس وزراء أثيوبيا، الحاصل على جائزة نوبل للسلام  بعد وقفه الحرب مع إريتريا، والمصالحة التاريخية في السودان، وبعد ذلك ظن أنه امتلك العالم، ولن تستطيع مصر  أو غيرها أن توقف مشروعه، واهما أن كل القوى العالمية معه تمويلا ومساندة، حتى زاد الطين بلة، وها هي بعض الدول العربية، تشارك في التمويل في حجب المياه من مصر.


أصبح الابتزاز من المحروسة علنا، وعلى المشاع وكأنهم وضعوا يديهم مع الكيان الصهيوني، الذي شجع أثيوبيا في البداية على المضي قدما في هذا المشروع، الذي تحيطه الشبهة،لكي يتم تركيع مصر وأن تحني هاماتها الخناقة دوما. فهل من مزيد من الأعداء فالشعب المصري؟ نحن منتظرون تدفقاتكم. التاريخ لا يكذب ولا يتجمل. مصر عندها وعند شعبها التضحية والفداء، حتى أخر قطرة من دمائهم منتهى الأمل والأمنيات، في سبيل الدفاع عن الدين ثم الوطن.


 المفاوض المصري يخيل إليه أنه بالدعوة للسلام والتودد سوف يجعل أثيوبيا تجلس على الطاولة للتفاوض، ويجهل أنه بالقوة والتصعيد والتهديد فقط تستجيب الدول. فإسرائيل لو لم تهزم في حرب أكتوبر، لما دفعت دفعا في طريق السلام، والمحافظة عليه مخاطبة الشعب وكأنه هو المسؤول، فهو يخاطب الداخل، ويقول لهم لقد أخطأتم! وعليكم بتحمل العواقب! وكأنه يوجه رسالة للخارج! أنا ضعيف وشعبي أضعف! فافعلوا ما ترتضونه، نحن سوف نرضى بما بقي من الفتات، وبعضا من قطرات المياه، التي سوف تدعها تنساب إلينا. خطاب فج غير دقيق بعد مبادئ السوء، والترحيب والحلفان، الإعلام الفاسد في ورطة.


الرد المصري متمثل في الخارجية، كان شديد اللطف، وجعل رئيس أثيوبيا ملكا متوجا، رافعا قدم على قدم في وجه رمزية مصر، وجعل شعبها ذليلا يطلب الإحسان، وتخفيف الأضرار. كان التفاوض في البداية على أساس عدم نقص قطرة مياه واحدة من حقوقنا، وإذ به يتحدث عن السماح بمليارات المياه أن تحجب، فالمفاوض المصري لا يدير المعركة باحترافية  ولكنه يديرها بتخلف شديد. مياة النيل وحصتنا هذا خط أحمر، وبعد ذلك نتفاوض.


 ليعلم الجميع أنه عندما أوصت الحكومة، بمنع زراعة الأرز والقصب وكل الزراعات، التي تستهلك كميات كبيرة من مياه النيل وكان ذلك من عامين تقريبا. كانت أثيوبيا قد بدأت في تخزين جزء من المياه خلف السد، وكنت شاهدا فقد هبط منسوب المياه في بحيرة ناصر خلف السد العالي عند زيارتها في العام الذي تلى التخزين الأول، وانخفضت المياة القادمة لمجري النيل وأهلنا في أسوان يعلمون ذلك تماما، وعانى المزارعون الأمرين، وحدثت العديد من المعتركات، نتيجة حجب كمية بسيطة فقط خلف السد، فما بالكم وتخطيط حكومة أثيوبيا، لحجب ما يقارب نصف حصتنا وعلى مدار الثلاث سنوات القادمة، بعد اكتمال السد. 


لا يخدعنكم خطط حكومتنا لمواجهة الأضرار، ومنها تحلية مياه البحر الأحمر والبحر المتوسط، وإعادة تدوير مياة المجاري، والتي قال عنها شاعرنا الكبير مصباح المهدي، هامسا في أذن الدولة بنبرة عامية ساخرة،  إذا كنتم مصرين علي موضوع المجاري فلا تعطوا الشعب حصة منها. هنيئا لكم وحاشيتكم وأبنائكم هذه المياه المفلترة، فهي لا تعز عنكم أنتم ومسؤولو الحكومة، ومجلس البرلمان بشعبتيه الشورى والشعب، فأنتم تستحقون ودون أدنى شك أن تروى بطونكم من هذه المياه، والتي سوف يصرف عليها المليارات، بلا فائدة.


هذا التدوير يحدث في الدول التي لا تمتلك أنهارا، وتوفر حكوماتها البديل أيضا لشعبها حتى لو إشترته، فالبعض لديه الثروة البترولية، وتحقق فائض أما ثروتنا الباقية في جعبتنا فهي المياه التي جعلت المثل الشعبي يقول: "مفيش حد بيبات من غير عشا في مصر"، ولا تعوض هذه الحلول العبقرية خسارة ١% ،من حصة مياة مصر التاريخية، ونترك حقنا الأصيل، فبأي حق يطلب صاحب الحق أن يأخذ حق ممن ليس له حق في إعطاء حق، ليس له عليه سلطة في قطع المياه أو حجبها. كل يوم يمر تكتسب أثيوبيا القوة، وتتمادى في البناء مع المفاوضات، ونحن معهم بحسن النية، دستور عمل الحكومات في القرن الواحد والعشرون. 


أثيوبيا تضغط علينا ثم ترجع قليلا ثم تقف مرة أخرى، تليها بعض النداءات فتارة تستجيب للمفاوضات، وزارة أخرى لا تستجيب، حتى إكتمال السد، وبدء تشغيله فعليا، وآنذاك سوف نكون نحن أمام واقع مر لا مناص منه. كثرة السدود على النيل، منعت الطمي الذي كان يزيد من خصوبة التربة، وقلت المساحات المستصلحة، فحتى السد العالي، وإن حمي مصر من الفيضانات، وتولدت منه الكهرباء، وبنيت خلفه أكبر بحيرة صناعية في العالم، كل ذلك قلل من الكفاءة للزراعات التي كانت تشتهر بها مصر واكتفيت ذاتيا منها لشعبها بل وصدرت المتبقي. 


خمس سنوات عجاف في الداخل والخارج والحدود  وعلو يد من لا يساوي على جزر أبدا، لا كانت ولا سوف تكون في أضغاث الأحلام، من منا يستطيع أن يسأل أين خبراء المياه والسدود من الحديث! ترك المجال للذين يعوون، وبطونهم ملئت من أكل الحرام. أين الخطط العلمية والمدروسة ومشاركة السودان الشقيق الفعالة؟ توحيد الرؤى والأفكار والمصير المشترك وروابط الأخوة والدم لهو السند الحقيقي لمصر. إذا أرادت أي حل ممكن، أين التهديد بعد طول التفاوض والنتيجة المخيبة للآمال، والشكوي للعالم وكأننا ما زلنا محتلين!


 لماذا يستمر الفاشلون في مواقعهم بعد ضاعت مياه النيل؟ بل مازال يؤيدهم المغيبين والغابرين. في خضم كل هذه المعطيات، أحب أطمئن أهلنا جميعا لن تستطيع أن تحجب أثيوبيا كل المياه خلف السد، ولكن تأثير ملء الخزان خلال عدد سنوات أقل سيضرب مصر في مقتل، وسوف تخسر الكثير، وتتوقف الحياة وتبور الأراضي، المتآكلة أساسا حاليا، وتتناقص المياه الجوفية، ومخزونها وشلل الحياة التام. بعد ذلك لا يريدوا تحكم لمصر في إدارة التشغيل وقت الجفاف، وقفل حنفية المياه حيثما شاءوا، والذين يتحدثون عن مستوى الأمان في إنشاءات السد هذا أخر المعضلات.


 احتمال انهيار السد وقف التشييد المتبع وارد ولكن ليس بنسبة كبيرة، ودراسات الشركات العالمية بعيدة إلى حد ما، مصر لا تمنع بناء السدود لدول حوض النيل، فيوجد العديد من السدود تقريبا، في معظم الدول المشتركة في مجري النيل، ولكنها لم تؤثر على حصة مصر من المياة الغير كافية الآن أيضا ولكنها مقبولة، وكانت دراسات ربط نهر الكونغو بالنيل، وتجميع مياه البحيرات الإستوائية والمهدرة مياهها في جنوب السودان، وربطها أيضا بالنيل وكلتا الحالتين كانتا قبل شروع أثيوبيا في بناء السد وذلك لسد العجز لدينا، ماتت هذه الدراسات والأفكار ولا ندري لماذا! لم يطلعنا أحدا عليها.


 أما أن على مصر أن تتحمل الجفاف لسنوات أو لعام أو شهر فهو غير مقبول على الإطلاق، وهذا حقنا في الاتفاقيات الدولية للأنهار، وليس جباية من أحد على مصر، أين جيش مصر العظيم فيما يحدث! أين المخابرات المصرية للتعامل مع هذا الوضع الحساس، والصعب في تاريخ مصر الحديث، وحماية الأمن القومي المصري من أي عبث! ما يطمئن الشعب هو وجود الجيش والذي لم ولن يسمح بالخراب، والتحكم من دولة في مقدرات شعب بأكمله، لم يكن يوما معتديا، ولكنه للشرف والتضحيات والفداء والدفاع وساما على صدر أهلها جميعا، فقد عهدناه يدافع على جميع الجبهات في آن واحد، وحان نداءنا فهل سيلبي النداء، ويكون العمل في صمت، بعيدا عن خرافات وتحليلات الهاوون والمبددين والمشككين.

تعليقات