حكايات هارب في الغربة
ما يميز حياة المغترب عن سواه، أنها حياة تحسب بضعف الزمن، ويقاس فيها الألم بوزن الحنين. هي حياة لا يشبهها شيء، يغادر فيها الإنسان وطنه، لكنه يترك روحه معلقة بين أزقته، بين ترابه، وبين أمه التي تنتظر رسالة لا تأتي، أو هاتفا يبكي فيه الصوت قبل الكلام.
يغادر الجسد، ويظل القلب يختبئ في صورة قديمة، في عناق مؤجل، أو في ضحكة عابرة عبر أثير الذاكرة. في الغربة، تصبح الأفكار قلقة، مشردة، لا تبشر إلا بمستقبل مجهول، وأحلام ولدت في الزحام وماتت على بوابة الواقع.
هنا... في المنفى، تتعلم كيف تتنفس من جديد، تتوضأ من أوجاعك، وتصلي لله أن يعينك على ما لا طاقة لك به.
صوت المصانع يملأ أذنيك، وضيق السكن يضغط على صدرك، وأنت تحاول أن تجد متسعا لتقف فيه دون انحناء، فلا يرحمك حتى سقف الغرفة. أما نومك، فرفاهية مفقودة، إذ تتحول الساعات إلى طوابير، والماء إلى أمنية، والهدوء إلى أسطورة.
تمر الأيام ثقيلة، العمل طويل، والأجر قليل، والمباني كالمعتقلات بلا قضبان، والخروج والدخول مقيد بتصريح، كأنك في مشهد من فيلم قديم لا نهاية له. أخلاق الناس صارت من الأطلال، والشهامة تعاني من الغربة مثلنا. أما الرجولة، فهي في خطر. فوق كل ذلك، تكتشف أن الصبر في الغربة ليس فضيلة فقط، بل وسيلة نجاة. أحيانا في ساعات الشوق، أحدث القمر كصديق قديم، أودعه، وأبوح له بنداء القلب.
"مناجاة الله عز وجل"
"اللهم قوني على ما أنا فيه، وازرع في صدري طمأنينة ترمم ما كسر."
أول ما وطأت قدماي هذه الأرض، فكرت في الرجوع.
لكن من يعود مهزوما؟ من يطيق أن ينعت بالفاشل؟ فأجبرت نفسي على البقاء، وعلى التكيّف مع الأمواج العالية، والنفوس المتغيرة، والطموحات التي تغتال في وضح النهار. طعام الغربة غريب، ماؤها يشبه الغربة نفسها: يؤلم، يلسع، ويقتلع منك الراحة شيئا فشيئا.
الوجوه مكررة، لا تجديد إلا في الوجع. الروتين يسكن التفاصيل، والقلوب تفتقد دفء الأسرة، وسند الأخ، وعناق الأم. رغم ذلك، تعلمت أن أُخبئ دموعي، وأبتسم للحياة، كأنني لم أتذوق علقمها. الغربة تعطيك المال، لكنها لا تعيد لك الطفولة، ولا تجبرك على الضحك من القلب. الغربة سجن أنيق، وسراب يتقن التمويه.
أفكر كثيرا: ماذا فعلت بنفسي؟ هل كنت أهرب من وطن، أم من نفسي؟ وهل تستحق الغربة هذا الثمن الباهظ من السنين والتجاعيد والشيب؟ هنا، كل شيء متاح، لكن لا شيء يغنيك عن وطنك. من ظن أن الحياة في الخارج أريح، لم يعرف أن وسادة الوطن، حتى وإن كانت خشنة، تنام فوقها بأمان.
يا شباب اليوم، لا تغركم الأضواء. البناء في الوطن، ولو كان ببطء، خير من اللهاث وراء معسكرات الغربة. كم تمنيت لو عاد بي الزمن، ما كنت اتخذت السفر قرارا. الغربة مذاقها مر، حتى إن اختلط بالعسل، تظل مرارتها غالبة. هي صبار لا يثمر، ورحلة بلا محطة نهائية.
لكن...
لن أظل أسيرا لها،
سأستعيد عقلي،
وأوقظ قلبي،
وأقول لنفسي: آن لك أن تعودي، يا روحي.
ختاما...
لا تهدروا أعماركم في البحث عن وطن في المنفى، فما من حضن يضاهي تراب الأرض التي نشأت فيها. عودوا ما دام في الوقت بقية، عودوا قبل أن يعود جسدكم وحده في نعش صامت... فالوطن، رغم أوجاعه، يظل الحبيب الذي لا ينسى.

تعليقات
إرسال تعليق