الوسية (الفقراء يسيرون مع القطيع نحو الهاوية)
على الأرجح، وردت كلمة الوسية في معاجم اللغة العربية بمعنى المواساة والتسلية، لكننا هنا لا نقصد هذا المعنى، بل نعود إلى الدلالة الشعبية القديمة التي عرفها أجدادنا في مصر. فالوسية كانت تعني العزبة أو الإقطاعية التي يملكها شخص واحد، يتسلط فيها على الأرض ومن عليها، حتى جاءت ثورة 23 يوليو فقضت على تلك الظاهرة وحاولت محوها من الذاكرة.غير أن الوسية عادت اليوم في ثوب جديد، أكثر شمولا وأشد قسوة، إذ تجمعت كل الوسيات تحت إمرة شخص واحد، يمشي متوجا على عرشٍ صنع لنفسه، يأمر فيطاع، وينهى فلا يعصى. صار المتحكم في مصائر العباد، يتلهى بآلامهم، ويمهد لنفسه طريقًا مفروشا بالورود، بينما يسلك الناس دروبا وعرة، لا يملكون إلا الانصياع.
فكر الاستعباد الجديد
لقد تبدلت الوسائل، لكن الفكرة هي نفسها: فكر الاستعباد هو المستعمر الجديد للقلوب. يكفي الناس لقمة طعام – إن وجدت – مقابل خدمة إجبارية في أراضي الوسية. وما أعجب الحاشية وهي تومئ برؤوسها خضوعا وتبجيلا، وكأن صاحب الوسية ملاك هبط من السماء!
الخطاب الموجَّه اليوم إلى العمال والفلاحين والطبقة المتوسطة التي تلاشت، وإلى الفقراء الذين ازدادوا حتى صاروا أغلبية، هو ذاته خطاب الأمس: لا تخافوا، لا تحزنوا، أنا معكم لعقود قادمة! لكن الحقيقة أن المسميات تغيّرت، بينما بقي الظلم والجبروت على حاله.
قصور للأسياد… قبور للفقراء
في الماضي كان الإقطاعي المحلي أو المستورد يقيم في قصر واحد، أما اليوم فكثرة القصور توازي ازدياد القبور التي يسكنها المهمَّشون. الفقراء باتوا يفترشون التراب، تعصف بهم حرارة الصيف القاسية، ويغرس البرد أنيابه في أجسادهم شتاء. جف النهر، تشققت الأرض، ومال الميزان ميلا كذابا. وما زالت الأسوار ترفع، والطيور تمنع من التحليق، بينما يساق الناس إلى هاوية مجهولة.
فن اللامبالاة
هل صار فن اللامبالاة والخداع والضحك على الذقون يُوصف بالذكاء والحنكة؟! أليس فيكم رجل كأدهم الشرقاوي الذي قاوم الاحتلال بمفرده؟ لقد تحول أبناء الوطن إلى جلادين لإخوانهم، يسلخون جلودهم كما تقدم القرابين. انتشرت المصائد في كل مكان، وتكاثر الدراويش الذين كانوا يومًا يكشفون الحقائق بالرمز والسخرية، فإذا بهم اليوم يصفقون ويطبلون لجوقة من الأوغاد.
غربة داخل الوطن
لقد امتلأت القلوب نفاقا ورياء، وكثرت الثعابين تنهش رزق الشرفاء وتقتل الأمل في مهده. لم تعد العصا وحدها تسيطر، بل صار الخوف يسكن الأرواح. جربنا الغربة في بلاد بعيدة، ثم عدنا لنكتشف أن الغربة الحقيقية تسكن أوطاننا، حيث تحاصرنا كلاب تعوي ليل نهار تبحث عن خائن أو معترض.
شهادة الشعر
لم أجد أصدق من كلمات الشاعر الكبير سيد حجاب وهو يقول:
قصيدته الخالدة تختصر كل ما نعيشه: ظلم متجذر، فرح مسلوب، وهم يطارد أحلامنا، وحلم بالحرية يتأخر لكنه لا يموت.
خاتمة
الوسية إذن ليست مجرد كلمة من الماضي، بل هي صورة حيّة لواقعٍ يعيد نفسه. قد تتغير الأسماء والوجوه، لكن الاستعباد واحد، والظلم واحد، والجبروت واحد. وما لم نكسر هذه الدائرة، سيظل الفقراء في القبور، والأسياد في القصور، والطيور ممنوعة من التحليق.
تعليقات
إرسال تعليق