مناداة من وراء السحاب

يا ولدي...
أما آن لسفرك أن ينتهي؟
كم طافت بك الغربة بين محطات التيه، تطارد المال، والمال لا يشبع القلب ولا يسكت الحنين. فالوطن، يا ولدي، ليس جوازا ولا رقما، بل حضن دافئ، وذكريات تسكن الملامح، وقلوب تحترق كل يوم شوقا إليك.

أمك وأبوك...
هرمت ملامحهما من الانتظار، والشتاء يزداد قسوة بلا ظلك، والصيف يحرق الأرواح بغيابك.
أولادك يسألون في كل صباح:
ـ "متى يعود أبانا؟ متى نلعب معه؟ متى نركض سويا في البساتين، نقطف الزهور، ونضحك بين الفراشات؟"
لكنك رحلت... وتركت قلبا يمزقه الفراق، وبيتا تنخره الوحدة، وحبيبة ما زالت تسكنها آهات البعد، تكمل حياتها على صفحاتٍ كتبها الوجع.

يا ولدي، وطنك أيضا يبكيك.
نهشته ذئاب الجشع، وتقاسمه المتآمرون. باعوه قطعة قطعة، وزرعوا الخوف بين ناسه.
الكاذبون على الشاشات يرقصون على آلام الفقراء، والمنافقون يطبلون للطغاة، بينما الحرية تجلد على الملأ.
والملايين الصامتة؟ صارت تتهم بالخيانة، بينما تمنح نياشين الشرف للمرتزقة.

لكنّ الأمل لا يموت...
سيولد النور من رحم العتمة، وستُكسر قيود العبودية، وسينتفض من بين الركام صوت يصرخ: كفى!
وسيندحر الباطل، ويعلو الحق، ويهوي الطغيان.

يا وطني...
عشقك محفور في القلب، وإن باعدتنا الجغرافيا والمحن، فنبضك فينا، وترابك أغلى من كل ذهب.
لن نسير على الجثث، ولن نلوث أيادينا بدم الأبرياء.
بل نكمل المسير... نحو شاطئ الحرية، رغم الرياح والموج.

سيأتي يوم،
يعود فيه العدل، ويمحى الظلم، وتتطهّر الأرض من الكذب والنفاق.
وسيُرفع العار عن أمتنا، وتغسل القلوب بماء الصدق والإيمان.

ولن يكون لنا ملجأ… إلا الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة