أين الحقيقة وسط الدموع؟!

عندما تكثر المعطيات والأدلة، وتظهر النتائج جلية على مرأى ومسمع من الجميع. أحيانا تكون الحكايات والروايات قد تم تغليفهم بالسم باطنيا وبالعسل ظاهريا، وتكون محبوكة بشكل دقيق جدا، فيصير في العقل شيء ما لا يكاد يتوقعه كالتوهان والصدمة، والذهول وعدم وضع الأمور في نصابها الصحيح، والتفنيد الخاطئ للأحداث، وعلى غير مهل تعطي الأحكام المسبقة.

 في زماننا هذا: يصدق الكاذب ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، الحق أصبح شعرة بين بحور من مستنقعات الباطل، الخير الكثير لقلة مارقة مع رفاهية فاقت الخيال، السيارات الفارهة مصدرا للتفاخر، وعدم الإحساس وطريق ممهد للشهوات  في الجانب الآخر عجلات القطار تدهس تحتها ضحايا الاهمال، والجشع والطمع وتلاشي الأخلاق من قبل الشرذمة الفاسدة، بداية من رأس الثعبان حتى ذيله، بلا أي رحمة أو رأفة بإنسانية إنسان كان يوما ما إنسان. كرامة دفنت تحت التراب، وسكوت عار على الأبدان.

المروءة ضاعت في الأوهام، والخوف والجبن جعل القتلى بالآلاف، والبكاء يفيض من العيون. للأسف بلادنا توقد على أسطحها النيران لتشتعل في الأجساد، وعلى قضبانها يجلس الفقراء والمشردين. محاصرون بالبؤس والشقاء والتهديد والوعيد، وجزاهم الله خيرا هؤلاء فقد كتبوا بصك العبودية ملبسا وطعاما وشرابا للأغلبية، لا نحتاج لمن يرينا الفساد فبلا شك الكل يحس به، ويدركه يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، وعقدا بعد عقد، وقرنا بعد قرن. الفرح بالفضيحة لن يقدم أو يؤخر، فالتحكم والأمر الواقع فاق الحد المعقول، وتوغل في كافة الصفوف، وتم حمايته بأسوار وسلاسل حديدية داخلية، وخارجية عصية على التدمير.

 لكن هيهات؛ فإرادة الشعوب لا تنكسر ولا تلين، تصبر ولكنها لا تبيع، تتمسك بالأمل، وتعتزل اليأس وخيبة الجلوس، ما أبغض من في سبيل كرهك لشخص ما أن يجعلك تكره عائلته، وتنسفها من جذورها بالكامل، وتنسينا تضحياتهم الجسام، فالشرف هم عنوانه، والكرامة هم حراسها، والعزة والفداء هما رجالهما، من كان سلاحهم الله وأكبر أبدا لم ولن يسقطوا. هكذا سوف تكون المعركة معهم وضدهم خاسرة، هدم الأشخاص لا بأس إنما هدم الكيان لا وألف لا. لا تعطوا العدو السكين لكي يغرزه في بطن الشيء الوحيد الباق المتماسك، والمحافظ على الأمة من الانهيار، والسقوط في الفوضى وفي أعماق القاع.

تطهير النفوس غير السوية بأنفسها من الآثام أفضل، والهدف المنشود، العدل يطبق على الجميع بلا استثناء. أناشدهم نصرة المظلوم والقصاص من القتلة السفاحين، من يتكلم لا يقول الحقيقة كاملة بل يتلهى فقط بالوقت، ومن ثم يطيل أمد المواجهة التي لا تكشف إلا بعض الأوراق الصغيرة، وقليل من التشويق، ومن يدافع يجهل كيفية الرد، ويلعب على المشاعر والأحاسيس، الحقيقة ترى بالعيون ولا تحتاج الدموع. القهر يكسر النفوس، الملايين تنصرف في لعب القمار. توزع القصور والفيلات على المستفيدين والمستغلين والمنافقين، والفنانين الماهرين، والعراة والراقصين على الأحبال.

حتى علماء الدين المنوط بهم القيادة؛ والنصيحة والتوعية من اللبس والغبن والاختلاف، صمتوا صمت الجبال بئس ما فعلوا وزادوا وقوفا عند أبواب القصور خداما، فلماذا الكل الآن يتذكر البسطاء وأوجاعهم! أين كانوا هؤلاء عندما أخفوهم عن الخريطة، وفي القاع أكرموهم ثم حرموهم حتى من نسيم الهواء. مساكن في البدروم تحت مساكن الأسياد، حلقات في مسلسل هزيل، حلقاته مملة، فكرته عقيمة، حبكتة فارغة، سرد الأحداث مع الدخان رسالة لمن! إخراجه فانتازيا أقرب للهواة. السباحة ضد التيار أوقفت النبض في القلوب، وشتت العقول، وضيعت الأحلام.

وتعالت الصرخات؛ لن أعود سأعبر البر الثاني أو أموت، غربة دفع ثمنها مقدما ديونا، وتنازلا رغبة في رؤية الشاطئ الآخر. مراكب موت تحدد النسل بغرق كافة الراكبين على ظهورها، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله تصعد إلى رب السماء استغاثة اللهم انتقم من كل جبار، أرغمني على التهلكة من غير ثمن. أوراقهم مدفونة تحت التراب، غفوة طالت تحت قباب المستبدين، ألسنة كانت يوما ما شجية تنطق بالكلام الحر، أصبحت الآن مقيدة وراء أسوار المنتجعات وكثرت الزنازين في الغرف، وإن خرج العضو منها بحث عن أقرب الحيطان لكي يحتمي بها، أو أن يصعد فوقها أو أن يختبئ بداخلها. 

أراضي وجزر ومياه بكت على الفراق والتفريط، دماء على الأسفلت، بعدما كانت مصورة في الأفلام أصبحت حقيقة وشهدت الأرض ورمالها على الألوان، فيروز تنادي وغيرها يقطع الطريق، شعب رضا بالهوان، واحزناه جرفت أغصان الزيتون، وهجرت الورود وضاع رحيقها، طيور دخلت مساكنها خوفا من كل سوء، ممكن أن يمسها وطلبت أجازة نقاهة، تنتظر الموت أن يختطفها على حين غرة، أين العمل والجهاد ضد الظلم والظالمين، والدفاع عن المقدسات، الشك يحتل كلا الشاطئين، كلاهما كذاب أشر، وبحر يبتلع الأبرياء.

 مصير مجهول في الأفق! يجري كالوحوش في الانقضاض على الفريسة، التى لا حول ولا قوة لها، فلسفة في مدينة فاضلة بعدت عن الأخلاق والمنطق المأمول، غيبوبة في فهم الأحداث، راحة بال في الخنوع والقنوع والاعتزال، وحدة فرضت فرض على المريدين، دراويش في كل مكان، لصوص على القمة في كل الأركان متنعمين، كلاب وفية لأصحابها وتنفذ  كل ما يريدون ولا يغادرون. يا فجر قرب كفانا مؤامرات، تدبر في ظلمات الليل، مع تعذيبات وسرقات، منتظرين الأحلام لكي تتحقق، وتشرق الشمس بعد طول الغياب، قمر ينادي من بعيد، أبدا لن تستمر كآبة الظلمات.

 ندعو من الله أن يطهر النفوس، ويمنع التشقق والحرمان، أساطير في اسطبلات الخيل مخفيين، في السباق متصدرين، شرايين نذفت الدماء وما زالت تقاوم الآخر حتى أخر نفس متاح، لا تبكي يا وطني فما زالت بداخلنا روح الانتماء، عزائنا الوحيد أننا حاولنا وقمنا بثورة بيضاء حضارية، شهد بها العدو وأرهبته قبل الصديق، والأمل في الأجيال الجديدة أن يحققوا مالم نقدر نحن على تحقيقه. مهما حجب الماء عن زرع الخير، وجفت الأقلام من الكتابة، وكسرت ريشة الفنان، واضطهد الشعراء، ونفي الأبرياء. لن نصمت صمت الجبال، في النهاية لا يسعني سوى قول: لا تحزن يا وطني رغم الحصار، طالما يوجد هنا وهناك أناس لم يذهبوا مع الطاغوت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة