مناجاة نفس خطية على الذنوب
اللهم يا من لا يخفى عليه أنين عليل موجوع، ولا تسكن شكواه إلا في سمعك، إني أشكو إليك ألما لا يدركه سواك، ألما تئن له الضلوع وتضيق به الروح، حتى باتت تتمنى الراحة الأبدية، وتترقب الموت أن يطرق بابها ولا يتأخر.
رحمتك، يا الله، أوسع من كل ألم، وأعدل من كل ميزان. وها أنا – رغم أوجاعي وتقصيري – أرجوك غفرانا لا حد له، فأنت العدل، وأنت الغفور، وأنت القادر على أن تغفر الذنوب جميعا، إنك أنت الغفور الرحيم.
ذنوبٌ تملأ الأرض... وندم لا ينقطع
يا رب، لقد تلطخ القلب ببريق الدنيا وزخرفها الفاني، فانجرفت وراء أطماع كذئب جائع، وتلونت كمثل الحيات في طلب ما ليس لي بحق.
لساني نطق زورا، وعيني غضت عن الحق، ويدي امتدت إلى ما لا يرضيك.
كثيرًا ما بكيت، لكن البكاء وحده لا يقيم توبة من غير يقين... وأنا أرجوك الآن، بقلب مكسور، أن تقبلني في ساحة رحمتك.
تكاسلت عن صلاتي، وتقاعست عن سنن نبيك، وتراخيت في نصرة الخير، وكرهت لغيري ما تمنيت لنفسي. خفت فصمت، وسكتّ عن الحق، وظلمت نفسي مرارا، فانطفأ النور من القلب، وغاب الهدى عن الطريق.
يا رازق الجنين... ارزقني الرضا والعودة
يا رازق الجنين في ظلمة الرحم، يا من يعلم السر وأخفى، ارزقني رجوعًا صادقا إليك، واجعل في قلبي رضاك والجنة.
لهتني الحياة، وأبعدتني عن ذكرك، حتى صار قلبي حزينا، وعقلي شريدا، ونفسي مدمرة.
اتبعت الغواية، حتى صرت نسيًا منسيا. أعطيتني نعما لا تعد، وأنا لم أزد في شكر ولا في حمد.
فكرت في الغد، ونسيت أن الأمر كله بيدك.
أردت الأفق البعيد، ونسيت أن القريب معك، وأن القرب منك هو النجاة.
لا تكلني إلى عبد يتحكم فيّ
اللهم لا تكلني إلى عبد من عبادك يذلني أو يكسـرني، ولا إلى مرضٍ يسكن جسدي فيوجعني، ولا إلى ظالمٍ يستضعفني، ولا إلى فاسد لا يخشاك.
ليس في قلبي فحش، ولا على لساني بذاءة، إنما آخر أماني أن أكون قريبا منك، تقربا بالبر والتقوى.
تقاعسنا عن نصرة الدين... وخذلتنا أنفسنا
يا رب، نسينا الدعوة إليك، وانشغلنا بأنفسنا، حتى تركت مقدساتنا تغتصب، وأرضنا تحتل، وإخواننا يعذبون دون رحمة.
نسينا فرض الجهاد، وسُلِب منا القرار، وارتضى ولاة أمرنا خيانة متسترة بالابتسامات، واحتساء لكؤوس المرار مع العدو.
تعاونت الأيادي على الإثم، وسارت الأرجل نحو المعاصي، وكنت أنا، بذنبي، قرينًا للشيطان... فبئس القرين.
ضعفي بين يديك... فاصفح واغفر
ذابت ضلوعي من مشاق الحياة، ومن جبروت من طغى وبغى. رأيت طريق الحق، فابتعدت، وسلكت طريقا أخرس فيه لساني، وعمي فيه بصري، وانطفأ فيه سمعي.
أبتليتني، فصبرت، راضيا بقدرك، طالبًا رضاك، منتظرا فرجك. ارزقني، يا الله، صدرا مشفيا، وقلبا منيرا، وتدبيرا من عندك لا يضاهيه تدبير بشر.
حين يصفو الدعاء... تهدأ الروح
الحمد لله، ما دام في لساني حركة، وما دامت في صدري أنفاس، وأتمنى أن تختم حياتي بشهادتين ينطق بهما اللسان براحة بال، وبشكر للوهاب.
يا رأسي، كفى خضوعا لغير الله.
تمسكت ببصيص الأمل، أراه في كل فجر جديد، مع أشعة الشمس وضوء القمر، بأن تكشف الغمة، وتزول الظلمات، وتعاد الأمانات، ويكرم الفقير، ويقتص من اللئيم، ويعود الخير بعد غربة الشر.
ذنوبي بين يديك... فاغفر وارحم
نعم، فرحت نفسي بالعقاب في الدنيا، عله يكون تكفيرا وتخفيفا من عذاب الآخرة. عملت كأني مخلد، ونسيت أن الموت أقرب من رمشة.
غفلت عن العمل الصالح، ونمت عن قيام الليل، وكنت أعود للذنب كلما تبّت... ثم أعود... ثم أعود...
لم أتعظ، بل عشت في ضجيج الأفراح، أضحك حين أفرح، ولا أعود إلى نفسي إلا عند الأحزان.
فرطت في عرض الله وفضله، وغفلت عن يوم العرض بين يديه.
ختام المناجاة: آية تنذر وتنير
يا الله...
خلقت هذا القلب ليحب، فملأته أنا بالكراهية، والنفاق، والحسد.
تعلقت بالمنكر، وكأني أركض إلى هاويتي مختارا.
قال تعالى:
"أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ، فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"
صدق الله العظيم.

تعليقات
إرسال تعليق