دييغو أرماندو مارادونا
قبل أن تلفظ الساعات الأخيرة أنفاسها، وتغيب شمس أكتوبر لهذا العام فلن نستطيع أن يمر بنا هذا الشهر من كل عام، دون أن نتذكر الانتصارات المصرية العربية المجيدة على العدو الصهيوني وجيل أكتوبر العظيم، الذين سطروا ملحمة بطولية، وسيظل يحتفظ هذا الشهر بذكرى عطرة وعزيزة، على جميع نفوس المصريين والعرب، ويعترينا الفخر لعودة الكرامة والكبرياء والاتحاد، وتلقين العدو درسا قاسيا لم ولن ينساه أبدا.
علينا أيضا أن نتذكر مواليد هذا الشهر والذي لقبه الكثيرون بشهر العظماء والعلماء، والعباقرة والمبتكرين في جميع المجالات، ومنهم بلا أدنى شك الأسطورة الأرجنتينية مارادونا، والأسطورة المصرية محمود الخطيب بيبو، معشوق الجماهير المصرية وملهمها، ومن أحببت كرة القدم من أجلهما وقد ولدا في اليوم والشهر نفسه في الثلاثين من شهر أكتوبر، فقد ولدت وتفتحت عيناي على خير من أنجبت الأرجنتين، والعالم الأسطورة دييغو أرماندو مارادونا، وهو يتلألأ في سماء الكرة العالمية في كأس العالم لعام "1986".
حيث لمت العائلة أمام الشاشات، وانتظار المباريات بفارغ الصبر، كان لا يزال عمري صغيرا، ولكني تعلقت بمهاراته وتفاعلت مع مروره من اللاعبين بسلاسة منقطعة النظير، تحكمه في الكرة كان به من السحر المحبوب، تسديداته كانت تطير معها الآهات. كثيرون كانوا مهاريين ولكن مارادونا كان مختلف كليا وجزئيا أيضا، وكان في مكانة أخرى، وما زال صاحب كاريزما وشخصية عنيدة تهوي الصدام، فرغم قصر قامته ولكنه امتلك قدرة في السيطرة على الكرة أمام عمالقة أوروبا والعالم.
أحرز الأهداف الواحد تلو الآخر بكل جزء مباح من جسده، لدخول الكرة في الشباك وفرحة الجماهير وتصفيقها، ضربات الرأس عنده كان مميزا بها، حيث كان يقفز ويستلم الكرة ويروضها بكل سهولة ويحافظ عليه، تعمدوا الخشونة معه، لكي يستوقفوه إلا أنه كان يتلقي الضربة تلو الأخرى، ويشق طريقه إلى المرمى كالمحارب على أرضية الملعب، أفخاذه القوية تحملت الكثير من الضرب من الخصوم، فقد تعرض مارادونا في بداياته لاصابة قاتلة في القدم.
ظن الكثيرين أن لن يعود مرة أخرى للملاعب، ولكنه عاد أقوى من الأول، وأعطانا الدرس في التحدي وعدم الاستسلام. أوجد أجيال أحبت الكرة بسبب ما قدمه من متعة واشتياق، وانتظار كل جديد سوف يقدمه، فات الكثيرون مشاهدة مارادونا على المستطيل الأخضر، وفقد متعة متابعته، عبر شاشات التليفزيون على الهواء مباشرة، فجزء من الخيال الكروي ذهب منهم دون أدنى شك، كسر احتكار بليه لأحسن ما شهدته الملاعب.
تم اختيار مارادونا كأفضل لاعب في القرن العشرين، وبالنسبة لي هو لاعب كل العصور، فمارادونا كان معجزة لم ولن تعوض، وإن اقترب ميسي منه وحاول أن يفعل شيئا لبلاده مثلما فعل مارادونا، ولكن مارادونا يبقى معشوق الجماهير الأرجنتينية والعالمية سيظل في فضاء ثان، ولن ينسى وتتذكره الجماهير دوما وتلتف حوله، حيثما وجد حتى الآن، كان الفريق كله يعتمد عليه وكان باستطاعته قيادة أي فريق نحو البطولة، مثل تمثيله لبرشلونة، وبعدها توهجه مع نابولي الإيطالي.
تبقى مباراة الأرجنتين وإنجلترا في كأس العالم في عام 1986 وهدفه الخالد، الذي مازال عالق في الأذهان وعلامة فارقة في تاريخ كرة القدم، وصل مارادونا إلى القمة وحمل كأس العالم عام 1986، ذلك الحلم الذي ظل يراوده منذ أن كان صبيا، وكان يبكي بحرقة عندما تخسر بلده في النهائيات، ولكنه صمم وحاول وصار خلف هدفه متحديا كل الصعاب، فكان له ما أراد، ولم يتوقف توهجه بل وصل بالأرجنتين إلى نهائي كأس العالم لعام "1990"،
في إيطاليا التي شهدت أوج تألقه في الملاعب، وما زال يحتفظ بذكريات لا تنسى فيها، ويعتبرها بلده الثاني، ولكنه بكى عند خسارة الأرجنتين، وكان يمني القلب أن يعاود حمل الكأس الغالية مرة أخرى، ولكن هزمت الأرجنتين من ألمانيا الغربية آنذاك، بهدف مقابل لاشيء، وواصل مارادونا المتمرد على الواقع مغامراته ومزاجه المتقلب، وصلابة فكره وآرائه الحادة، وشارك في كأس العالم بعد فترة صاخبة من المخدرات والصعوبات والمشاجرات، وتغلب على كل هذا وشارك لمبارتين فقط؛ وإذ في المباراة الثالثة يوقع في فخ المنشطات، فيستبعد من المونديال.
بذلك يسدل الستار عن مسيرة دولية حافلة لنجم استمتعت به الجماهير، لحقبة كانت من أمتع الحقبات في تاريخ كرة القدم، من في العالم بأسره لا يعرف مارادونا، تعلقت الأجيال الجديدة به أيضا بعد مشاهدة أرشيف مبارياته. كان يعامل معاملة الرؤساء والأمراء أينما حل ضيفا، وتتسابق الصحف والمجلات، لأخذ أحاديث منه والإعلام لعمل المقابلات والحوارات الصحفية والتلفزيونية.
وقد كان مقربا وصديقا شخصيا لرئيسي كوبا وفنزويلا السابقين، واسمه دائما يرفرف في العالم أجمع، وخصوصا في أمريكا الجنوبية، ويحتاج مارادونا كتب ومجلات وأفلام لسرد شخصية ثريه، بمختلف أركانها والتي أثرت في التاريخ، وأحبته الملايين حول العالم بمختلف إنتمائتها.

تعليقات
إرسال تعليق