الشهيد الطفل(محمد الدرة)
صورتك يا درة الأرض لا تفارق الأذهان، فلترفرف روحك الكريمة إلى السماء، بسلام كتاب اليمين، نفسا لم تذنب ولم تتعلق بأي آثام جعلت من الملائكة متشوقين ومنتظرين، بعيدا عن الواقع الأليم غير أمين، سحقا لزبانية الشر قاتلي وسارقي الأحلام في مهدها، وزاد الظلم وجارا في التمكين، عطشنا عطش السنيين، ثم شربنا كأس المرارة رغما عنا، وعلى غير إرادة الصامدين.
آثار العلقم والصبار ما زالت عالقة في الأحلاق، صدمة الأب فاقت الحدود والأزمان، نظر الأب إلى السماء واستغاث برب العباد صبرا على الابتلاء، يطلب من الرحمن اللقاء في الجنان، ولكنهم أرادوا كسرته، وكسرتنا جميعا من هول المشهد، وبشاعته مع فقدان الحنين، أكرم الله "سبحانه وتعالى" الأب وأنعم عليه بطفل ثاني لعله يجفف الأوجاع ويشف الصدور ويصبر القلوب وينير العيون.
ذكراك يا درة ستبقى دائما في داخل الوجدان، وستنشر البشرى على الملأ من المحبة فيضان، أبدا لن تغيب الشمس يوما بمكان، لفت أنظار المسلمين الذين نسوا وتناسون أرض فلسطين الغالية، وأهلها الطيبين، وقدساها وأقصاها الذي أسري إليه رسولنا الكريم وصلي فيه بالأنبياء إماما، وأعرج منه مع جبريل عليه السلام إلى السموات السبع في معجزة الإسراء والمعراج، والتي خصت رسولنا الكريم دون غيره من الأنبياء، بعدما فاض به الكيل من الأحزان، فكانت مكافأة من رب السموات والأرض لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.
{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ، فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ ، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ ، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ}، المسجد الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين، وعلينا جميعا بسداد الدين الذي في رقابنا إلي يوم الدين، تجاه تلك البقعة المقدسة، والتي هي من أقدم المناطق المأهولة في العالم، التاريخ سيظل شاهدا على عروبتك يا القدس العتيقة، رايتك ستظل في أعلي العنان.
لن يمحى الواقع بالجرافات والدبابات، والتهويد والمستوطنات، والحصار وقبضة السجان واتخاذها عاصمة للكيان المزعوم، ونقل السفارات وصمت الرعاة، فمهما حدث لن يتحكم سرطان البشر في الأجساد، طالما النبض ما زال يجري في الشريان، متى سنتحرك ونوحد الصفوف، ونقف كاليد الواحدة في وجه الظلم والطغيان، الورود على خدودك الدرة إرتوت وسكنت ونبتت الأشجان، وذرفت الدموع تمنع لدغة الثعابين، هز بكائك الدر ضمير العالم الحر بجميع طوائفه وألوانه وأجناسه.
انفطرت القلوب من الحزن وتقطعت بنا الأسباب، هذا حالنا المرير، وما وصلنا إليه أيها المسلمين، هوانا فوق الهوان، وكأس الذل مذاقا من عصير الأبدان، تحملنا القهر وما وراء القهر، حتى أصبح من أفضل الثياب المعتاد، حقوق الإنسان التي يتشدقون بها أسياد العالم، ماتت على أراضينا، فالعالم الثالث تحت التراب مدفون، لا حرية ولا كرامة لإنسان، براءة الأطفال دهست تحت نار القذائف، والصوايخ والطائرات وغطت أدخنتها على كل الأركان.
لا رحمة من عدو غادر جبان، رصاصة رخيصة تقتل روحا بريئة في وضح النهار، وسط أصحاب اليقين، وصموك بالإرهاب وأنت أطهر الأطفال وثمرة البنون، دموعنا لا تكفي للانتقام من قاتلوك أمام العيون، موتك يا ولدي أوقد شمعة الأمل في الأمة، لعلها تستيقظ من ثباتها العميق، وتتمسك برد الدين بإيمان عميق، يزلزل عروشهم الواهية، وأفكارهم التوسعية، وخططهم الجهنمية، حقا لإنهم شياطين في لباس الإنس، ورفقاء لأشرار الجن، تحكموا في القوى العالمية، واستباحوا كل شيء، تحت غطاء شرطي العالم، ومجلسها مع أفعالها الغاشمة ولا حوة ولا قوة إلا بالله.
تحركت أمواج الانتفاضة، ترجو القصاص، وأصبحت يا درة الأيقونة وملهمها للنصر القريب إن شاء الله، وما النصر إلا من عند الله، { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وجُنُودِهِ قَالَ الَذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }، لم يدري العدو ولم يخطر بباله، أنه بقتلك أحيا الأمل في الملايين، ممن لا يزالون يحلمون بغد أفضل.
لا بد من تطهير أنفسننا بأنفسننا كخيار أول، فقد وقف من يمسكون بمقاليد الأمور ونادوا: اقتلوا - دمروا -شردوا - نكلوا - ولكن حافظوا على الأطفال، سنحاصر معكم إخواننا، وسنمنع عنهم الطعام والشراب، وعليكم أنتم اتخاذ الأجساد أشهي طعام، لقد قتلناك بأيدينا نحن أولا، قبل أن تقتلك يد الخسة والندالة بسكوتنا ورضوخنا، والعار الذي احتل النفوس، اتخذنا الأخ عدوا، وقابلنا العدو بالأحضان ولقبناه بالصديق العزيز، انقلبت الآية في بلادنا، وأبرأ الخائن، وسجن البريء، وشهد الفاسد على الأمين.
واحزناه مات الشرفاء وراء القضبان، وأهين حملة القرآن وحفظته وعلمائه في الداخل وكانوا مقيدين، وكرم اللصوص في الخارج وصاروا يتنعمون ويتلهون، واختفت الحقيقة في ظلام الليل، وتاه التاريخ في التعليق على الأحداث، ومسحت الجغرافيا بأستيكة سوداء، وأصبحت الخرائط حسب الهوى، والمزاج الذاتي هي السائدة، وازداد حبس الطيور المغردة من كل صوب وحدب في الأقفاص الحديدية، الجهل والتخلف والجنون قد زرع بضمير في قلوب وعقول الأمة، فكانت النتائج تغييب كامل فاق كل الرؤوس.
كثرت أعداد الدروايش والمنافقين، والمستفيدين، والبلهاء، والببغاوات، وصاحت البومات، في كل مكان تجلب الفقر والاضطهاد آه من صرخة الأعزاء، أطلقوا الجهاد للجم من استباح الأعراض، واغتصب الأراضي بكل سبيل، جموعنا في شتي البقاع مع صوتنا على طول حناحرنا فقط أرعبته، وأدخلته إلى مخابئه، خائفا من ردود الأفعال، فلسطين يا أرض وممشى الأنبياء، بحور الدم سالت في كل مكان، الأقصى الشريف يئن تحت الحصار، ويستغيث، نجست أقدام الصهياينة ساحاته وباحاته بلا عقاب، ننبيا ومصطفانا "صلى الله عليه وسلم" أمرنا بشد الرحال.
لماذا لا نلبي النداء؟ ياه يا قدس القلب مع العقل الفداء، فكما فتحها وحررها الفاروق عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" وأقام العدل فيها، وجعل قانون الإسلام نعما القانون، صلاح الدين سوف ينجنب من جديد ليحررك يا أقصى من أيد اليهود الآثمين الغاشمين، عاجلا أو آجلا وعد الله مكتوب، سترفع رايات الإسلام فوق زهرة المدائن، تصيح في المآذن بصوت يهز الأرجاء بالآذان، الله أكبر على المعتدين، وليكن ما يكون وليعلم القاصي والداني أنه لا خلاص سوى المقاومة، وكتائبها على كافة المستويات، عندها فقط سسترد الأرض، وتضيء الكرامة على كل الجبهات.
يا شرذمة الأمم تاريخكم في البلاد مشتتين، ورجوعكم لماضيكم المشين مسألة وقت لا غير، وستعودون منكسين أينما حللتم وستصبحوا خائفون من بئس المصير، نجح الاستعمار في تفكيك بلاد المسلمين، وأفسدوا عقودا، وامتد قرونا وعندما رحلوا أوجدوا القضايا بالتقسيم بين كل بلدين، ليظل الخلاف قائما ولا اتحاد قد ينقلب عليهم في المستقبل، غرت أمتنا الحياة وملذاتها وزادت المعاصي والآثام، وتعلقت بحب المادة واتخذت من الخوف ملاذا، وتولي أمرنا إما فاسد أو خائن أو كذاب، وأنعموا علينا بالجهل والتخلف والجنون محملين بالأسفار.
غربنا في بلادنا بفعل الشياطين وأعوانهم، ضاعت الحقيقة بين الدروب، وتملك الشر وتوغل في كل البيوت، وتسللوا في الظلمات، طريق الباطل زاد في الجبروت، ونحن ننتظر الخلاص، يا عمر السنين مالك ضنانا الحنين، ديننا لم يجد المعين، أشرق يا شمس العدالة وأنير لنا الطريق، غيرينا من الأحقاد، اغسلينا من الذنوب، كفانا استكبارا مع علوا تحت وطأة الطواغيت.
قمرا بألوان الدم صحى العيون من الانغلاق، ومولد شعاع جديد من تحت الرماد، أخلاقنا ذهبت هباءا منثورا، وحل مكانها النفاق وأشياعه، ولكن طالما الدم يسري في عروقنا، والروح تسكننا فالأمل والإصرار والعزيمة هم مفاتيح نجاتنا، وقدرتنا وصبرنا على الرياح العاصفة، والأمواج الهادرة والأشواك الراسخة، ندعوك يارب العالمين أن تغفر وترحم الطفل الشهيد محمد الدرة، وتلهم والديه الصبر والسلوان على فراقه وشهدائنا الأبرار وأمواتنا في شتي بقاع الأرض.
ندعو من "الله تعالى" أن ينير بصيرتنا، وتشف صدورنا، وتعمر قلوبنا بذكرك يا أرحم الراحمين، نتمنى رضاك والجنة يا أكرم الأكرمين، اللهم استجب دعائنا، اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إنك بكل شيء عليم، إليك يرد الأمر كله، اللهم أصلح ذات بيننا، اللهم وحد صفوفنا وأعينا على إرجاع الحق لأصحابه بقدرتك ومشيئتك يا الله، اللهم لاتحرمنا الصلاة في الأقصى الشريف بعد تحريره، هو وجميع الأراضي المحتلة من أرض المسلمين قبل الممات يارب العالمين.

تعليقات
إرسال تعليق