حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

عندما تتسلل الهموم إلى نفس الإنسان كأفعى تلدغ في مقتل، لا تتركه إلا جثة خاوية، يصرخ من أعماقه لكن لا مجيب، صراخاته تتناثر في صحاري شاسعة، تتيه بين أصداء الرياح، ليولد السراب من العدم دون أن يجد له موطئ قدم. تتلقف الروح ذلك الفراغ، ذلك الكيان الخفي الساكن في الجسد، تبث فيه الحياة، لكنها حين ينهكها الألم، يعصر فؤادَها ويكوي جدرانها الخفية. الهموم كثيرة بأشكالها وأسبابها، غير أن أشدها وقعا، هو ألم الفقد، وذهاب رحيق الأحبة واحدا تلو الآخر، وانتظار الدور على من هو آت! في صمت مهيب. يحاول الإنسان النهوض من الوحل، لكن بلا جدوى. تبكي الروح، لا دموعا بل أنهارا، بينما الأمل يصمت، بعدما أعيته محاولة تسلق جبال الحياة، بحثا عن دواء يداوي جرحا لا يشفى. تشيب الرؤوس قهرا، وتتشقق الوجوه بتجاعيد الزمن، تقتل الابتسامة في مهدها، وتفقد الوجوه إشراقها، ليهرول المرء دون وعي نحو مصيره المحتوم. الروح كما يظنها الإنسان كائن شفاف، يرفرف بين الأمل والطمأنينة، ويتغذى على الإيمان والسكينة. لكنها كائن هش أيضا، سرعان ما ترهق وتذبل تحت وطأة الهموم المتراكمة. فالهم وإن بدا في ظاهره مجرد انشغال فكري، أو عبء نفسي، إلا أن أثره أعمق بكثير من ذلك، إذ إنه قادر على أن يفتك بالروح، ويخنق فيها الحياة، حتى لو بقي الجسد حيا يتحرك.

ما قبل الهموم

قبل أن تهطل الهموم، يحلم الإنسان بأحلام وردية، يظن أن الحياة ابتسمت له أخيرا، بعد سنوات من الشقاء والمعاناة. يخطط، يطير بخياله بعيدا، ينسى تدبير الله -سبحانه وتعالى- ويتيه في تفاصيل دنياه الصغرى، غافلا عن الغاية الكبرى. يتنقل بين البلدان، يطارد المال بأي وسيلة، منهكا جسده لإثبات ذاته، يبحث عن نفسه التي ضاعت في دروب الوطن، ويبحث عن وطن بديل غريب، مليء بشتى التناقضات، يعوض فيه انكساراته. يضع التاج على رأسه، لكنه ليس من الذهب، بل طلاء نحاسي يلمع كذبا. يمشي مختالا يضرب الأرض بثقة، ينظر إلى شرق أغنى أو غرب أرقى، في حين تكبل الأجساد عن أقصاها الشريف. هيهات فالأرواح سباقة وتتوق لهناك ولا يمنعها أي كان. ينسى المرء رابطة الدم، ويغفل عن الحكمة، وتتقزم رؤيته تحت قدميه، وتضيع البراءة. كانت الحياة قبل الهموم لوحة بهية، ألوانها زاهية والورود متفتحة، والخضرة تملأ الأرجاء. لكن النفاق صار دستورا، وتنافس الناس في استغلال الآخرين، صاعدين على أكتاف بعضهم البعض، دون خجل، في سباق محموم نحو قمة زائفة.

الصبر على الهموم 

لا مفر من الصبر إلا للصبر، فلعل الروح تهدأ قليلا. فالمفقود لا تعوضه كنوز الأرض، ولا أمواج الحياة، مهما كانت. كم من سباح ماهر غرق، لا لقلة حيلته، بل لأنه تعلق بزائل. وكلما اشتدت الآلام اتسعت الروح، كما لو كانت بساط يحتضن أثقل الأحمال، لكن في لحظة ما، قد يتطهر هذا البساط الأبيض، وينفض عنه دنس الأيام، فميزان الإيمان لا يختل، والحزن مهما طال فإن له نهاية. تمر الأيام وتعيد لنا الأسماء والعناوين. الهموم ليست مجرد مشاعر عابرة، عندما تستقر في القلب لفترات طويلة، تتحول إلى سجن داخلي، يقيد الروح ويطفئ نورها. يبدأ الأمر بفكرة ثم قلق، ثم دوامة من التفكير المتواصل، حتى يجد الإنسان نفسه غارقا في خوف دائم، أو حزن مزمن، أو شعور بالعجز أمام الحياة. وتدريجيا تتآكل قدرته على الفرح، على التقدير، على الاستمتاع بأبسط تفاصيل الوجود، والتأمل في عظمة الخالق، الذي أوجد الألم وأوجد أيضا له الدواء.

كيف تقتل الهموم الروح؟ 

الهم يستنزف كل طاقة إيجابية موجودة في النفس. ومع الوقت تصبح الروح خاوية، لا تجد ما تستند إليه في مواجهة تحديات الحياة. الروح الحية تبدع - تحب - تسعى - تجرب. أما الروح المثقلة بالهموم فتميل إلى الانعزال والركود، ويبهت فيها كل دافع للحياة. عندما تسيطر الهموم قد يتسلل الشك إلى قلب الإنسان، في نفسه أولا ثم في عدالة الحياة بل، وربما في -حكمة الله- إذا لم يحصن نفسه بالإيمان والرضا. في ذروة الهم قد يشعر المرء بأنه مجرد آلة، تعمل لتؤدي المطلوب منها، بينما قلبه ميت، ونفسه خاوية، وروحه أشبه بظل باهت لما كانت عليه.

عودة الروح إلى الجسد

في الحياة قضايا كبرى وأخرى صغرى، غير أن الفطرة السليمة لا تكف عن السعي نحو الحق، ولا تمل من النضال لعودة الروح إلى الجسد. ستظل قضية الجسد والروح والدفاع عنهما، قضية حية في قلب كل مسلم، منذ قديم الأزل إلى أن تقوم الساعة، ولا يعلم ماهيتهما البشر مهما بلغ العلم ذروته سوى الله -عز وجل- الذي استأثر بهما لنفسه، لن تنفك رابطة الإيمان بقدرة الله، وما جاء به القرآن العظيم، وسيبقى اليقين بنصره وعدا لا يخلف. حين يجف حبر القلم، فذلك إيذان بميلاد قلم جديد، يحمل حلما جديدا، ليكتب التاريخ من جديد، على صفحات بيضاء، خالية من الكذب والتزوير، ناصعة بالحق، فالجسد يعشق روحه، والروح تأبى الغياب عنه. غلا من تمسك بالحق، وويل لمن نكر الجميل، وصفق للباطل، وركض خلف السراب.

سبل النجاة: هل يمكن إنقاذ الروح؟ 

الخبر الجيد أن الروح، رغم هشاشتها، تملك قدرة عجيبة على التشافي إن وجدت العناية والاحتواء. حين يتعلم الإنسان أن يسلم أمره -لله تعالى- ويوقن أن لكل هم فرج، تهدأ روحه، ويخف حمله. الهم ثقيل إذا حمل وحيدا، لكنه يخف حين يشارك. في بعض الأحيان، تكفي الورقة والقلم كي تفتح الروح نافذة تنفس. النوم الجيد، الطعام الصحي، والمشي في الطبيعة، كلها أمور تعيد للروح توازنها. قراءة الشعر والتعمق في فنون الأدب وبحور الثقافة، التأمل في مخلوقات -الله تعالى- أو حتى مراقبة غروب الشمس، أفعال بسيطة تعيد النبض إلى الروح. الهموم جزء من الحياة، لا مفر منها. لكنها ليست قدرا حتميا بأن نموت ونحن أحياء. الروح تستحق أن نحميها، نغذيها، ونمنحها ما تحتاج إليه كي تظل نابضة بالحياة، رغم كل ما نحمله من أعباء. فالإنسان لا يهزم تماما إلا إذا استسلم، والروح لا تموت إلا إذا أُهملت.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة