حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود
قبل أن تهطل الهموم، يحلم الإنسان بأحلام وردية، يظن أن الحياة ابتسمت له أخيرا، بعد سنوات من الشقاء والمعاناة. يخطط، يطير بخياله بعيدا، ينسى تدبير الله -سبحانه وتعالى- ويتيه في تفاصيل دنياه الصغرى، غافلا عن الغاية الكبرى. يتنقل بين البلدان، يطارد المال بأي وسيلة، منهكا جسده لإثبات ذاته، يبحث عن نفسه التي ضاعت في دروب الوطن، ويبحث عن وطن بديل غريب، مليء بشتى التناقضات، يعوض فيه انكساراته. يضع التاج على رأسه، لكنه ليس من الذهب، بل طلاء نحاسي يلمع كذبا. يمشي مختالا يضرب الأرض بثقة، ينظر إلى شرق أغنى أو غرب أرقى، في حين تكبل الأجساد عن أقصاها الشريف. هيهات فالأرواح سباقة وتتوق لهناك ولا يمنعها أي كان. ينسى المرء رابطة الدم، ويغفل عن الحكمة، وتتقزم رؤيته تحت قدميه، وتضيع البراءة. كانت الحياة قبل الهموم لوحة بهية، ألوانها زاهية والورود متفتحة، والخضرة تملأ الأرجاء. لكن النفاق صار دستورا، وتنافس الناس في استغلال الآخرين، صاعدين على أكتاف بعضهم البعض، دون خجل، في سباق محموم نحو قمة زائفة.
لا مفر من الصبر إلا للصبر، فلعل الروح تهدأ قليلا. فالمفقود لا تعوضه كنوز الأرض، ولا أمواج الحياة، مهما كانت. كم من سباح ماهر غرق، لا لقلة حيلته، بل لأنه تعلق بزائل. وكلما اشتدت الآلام اتسعت الروح، كما لو كانت بساط يحتضن أثقل الأحمال، لكن في لحظة ما، قد يتطهر هذا البساط الأبيض، وينفض عنه دنس الأيام، فميزان الإيمان لا يختل، والحزن مهما طال فإن له نهاية. تمر الأيام وتعيد لنا الأسماء والعناوين. الهموم ليست مجرد مشاعر عابرة، عندما تستقر في القلب لفترات طويلة، تتحول إلى سجن داخلي، يقيد الروح ويطفئ نورها. يبدأ الأمر بفكرة ثم قلق، ثم دوامة من التفكير المتواصل، حتى يجد الإنسان نفسه غارقا في خوف دائم، أو حزن مزمن، أو شعور بالعجز أمام الحياة. وتدريجيا تتآكل قدرته على الفرح، على التقدير، على الاستمتاع بأبسط تفاصيل الوجود، والتأمل في عظمة الخالق، الذي أوجد الألم وأوجد أيضا له الدواء.
الهم يستنزف كل طاقة إيجابية موجودة في النفس. ومع الوقت تصبح الروح خاوية، لا تجد ما تستند إليه في مواجهة تحديات الحياة. الروح الحية تبدع - تحب - تسعى - تجرب. أما الروح المثقلة بالهموم فتميل إلى الانعزال والركود، ويبهت فيها كل دافع للحياة. عندما تسيطر الهموم قد يتسلل الشك إلى قلب الإنسان، في نفسه أولا ثم في عدالة الحياة بل، وربما في -حكمة الله- إذا لم يحصن نفسه بالإيمان والرضا. في ذروة الهم قد يشعر المرء بأنه مجرد آلة، تعمل لتؤدي المطلوب منها، بينما قلبه ميت، ونفسه خاوية، وروحه أشبه بظل باهت لما كانت عليه.
في الحياة قضايا كبرى وأخرى صغرى، غير أن الفطرة السليمة لا تكف عن السعي نحو الحق، ولا تمل من النضال لعودة الروح إلى الجسد. ستظل قضية الجسد والروح والدفاع عنهما، قضية حية في قلب كل مسلم، منذ قديم الأزل إلى أن تقوم الساعة، ولا يعلم ماهيتهما البشر مهما بلغ العلم ذروته سوى الله -عز وجل- الذي استأثر بهما لنفسه، لن تنفك رابطة الإيمان بقدرة الله، وما جاء به القرآن العظيم، وسيبقى اليقين بنصره وعدا لا يخلف. حين يجف حبر القلم، فذلك إيذان بميلاد قلم جديد، يحمل حلما جديدا، ليكتب التاريخ من جديد، على صفحات بيضاء، خالية من الكذب والتزوير، ناصعة بالحق، فالجسد يعشق روحه، والروح تأبى الغياب عنه. غلا من تمسك بالحق، وويل لمن نكر الجميل، وصفق للباطل، وركض خلف السراب.
الخبر الجيد أن الروح، رغم هشاشتها، تملك قدرة عجيبة على التشافي إن وجدت العناية والاحتواء. حين يتعلم الإنسان أن يسلم أمره -لله تعالى- ويوقن أن لكل هم فرج، تهدأ روحه، ويخف حمله. الهم ثقيل إذا حمل وحيدا، لكنه يخف حين يشارك. في بعض الأحيان، تكفي الورقة والقلم كي تفتح الروح نافذة تنفس. النوم الجيد، الطعام الصحي، والمشي في الطبيعة، كلها أمور تعيد للروح توازنها. قراءة الشعر والتعمق في فنون الأدب وبحور الثقافة، التأمل في مخلوقات -الله تعالى- أو حتى مراقبة غروب الشمس، أفعال بسيطة تعيد النبض إلى الروح. الهموم جزء من الحياة، لا مفر منها. لكنها ليست قدرا حتميا بأن نموت ونحن أحياء. الروح تستحق أن نحميها، نغذيها، ونمنحها ما تحتاج إليه كي تظل نابضة بالحياة، رغم كل ما نحمله من أعباء. فالإنسان لا يهزم تماما إلا إذا استسلم، والروح لا تموت إلا إذا أُهملت.







تعليقات
إرسال تعليق