الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ
إذا كانت أم كلثوم هي الهرم الرابع، وعبد الحليم حافظ العندليب الأسمر، وأحمد زكي عبقري الأداء التمثيلي، وبليغ حمدي قائد ثورة التلحين، وإذا كان طه حسين والعقاد والحكيم ونجيب محفوظ هم رواد الأدب العربي، وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب هم أعمدة الشعر العامي الحديث، فإن مصباح المهدي هو العطر الباقي من كل هؤلاء، والمتنفس الذي يهبنا بعض الدفء وسط برد الواقع.
كلماته ليست مجرد حروف، بل هي نبض القلوب وخطوات الضمير، تمتاز بغزارة مفرداتها ودقة معانيها وسهولتها ومرونتها، فتنساب كما النسيم، وتحملنا بين الفرح والشجن. في قصائده نجد وجع الوطن وهموم الناس، ونجد أيضًا الحلم المضيء مهما كان الظلام حالكا.
مصباح المهدي جعل من الألم جرسا يوقظ الوعي، ومن صبره وقوة احتماله جسرا يصل به إلى وجدان كل قارئ. التزم الصدق ورفض أن يسير في ركاب النفاق أو أن يحول شعره إلى سلعة. قاوم التيار السائد، وتمسك بمبادئه رغم الصعوبات والمطبات التي واجهته، فظل صوته صافيا، وقصيدته نزيهة.
هو شاعر لم تغره الشهرة، ولم تغيره الندوات التي حضرها داخل مصر وخارجها. وكما قال عنه الخال عبد الرحمن الأبنودي: "مصباح المهدي مواطن فقير، غني بالشعر، لغته لغة الأغنياء والفقراء معا". وعلى عكس كثير من الشعراء الذين صعدوا من القاع إلى رغد العيش، ظل مصباح قانعا بما لديه، يرى أن الشهرة الحقيقية هي حب الناس واحترامهم.
عمل في وظائف بسيطة فقط ليؤمن لقمة العيش، لكنه لم يتاجر بشعره أو يهبط به إلى القاع. أحب وطنه وجعله معشوقته الأولى، وكتب له قصائد بالفصحى والعامية، حملت في مضمونها الدفاع عن الوطن والأمة العربية والإسلامية. من دواوينه: الموت على مهل، وكلها ساعتين ويدن، أسميكم، أقولهالك، شجر للعياط، كما لو أنها عيشة، على يد محضر، بغداد، كذا وعشرين ملك عربي، ترعة وصفصاف.
ومع أن بلده الأم لم تمنحه ما يستحقه من تقدير إلا مؤخرا، إلا أن الوطن العربي احتضن إبداعه واحتفى به. قصائده تدخل القلوب بلا استئذان، كما حدث معي حين قرأت إحداها بفضل الصديق الكاتب أحمد رجب الحسيني، الذي كان له دور في إعادتي لاكتشاف عالم مصباح المهدي.
إن كنت تبحث عن الأمل، فهو مصباح المهدي. وإن أردت قدوة في الصدق والإخلاص، فهو قدوتك. وإن رغبت في كنز من التراث الأدبي الحقيقي، فشعره هو الجواب. وما كتبته عنه ليس إلا نبذة مختصرة، تبقى أقل بكثير من حقه، وأتمنى أن يجمعني به لقاء قريب لأقول له: شكرا لأنك بقيت أنت… شاعر الناس وأملهم.

تعليقات
إرسال تعليق