ممرضة كورونا التي أيقظت الضمير الإنساني
أولئك الذين يزعمون أننا على الطريق الصحيح نحو التقدم، ألا ترون معنا الحقيقة المرة؟! ألا تسمعون وجع الصورة وهي تستغيث بالله ثم بنا جميعا؟! لقد أهانوا الأرواح حتى صار الإنسان أرخص ما في الأوطان، وتحول الجسد المنهك إلى عنوان لذل لا يطاق.
لكن هذه الصورة ليست مجرد لحظة عابرة من الشفقة أو المواساة، بل ينبغي أن تكون نبراسا وسط الظلام، تذكرنا بواجبنا في كسر القيود التي أوهنت أيدينا، وفك السلاسل التي كبلت أرجلنا، وأن نزيح الغشاوة عن أعيننا، ونمنع أصوات التضليل من أن تصم آذاننا.
لقد كنا نؤمن يوما أن للكلمة أثر السحر، تهز عروش المستبدين وتشعل الهمم وتبث العزيمة في القلوب. واليوم جاءت صورة ساكنة، لكنها قالت ما لم تقله آلاف الخطب والمقالات. عيناها الشاردتان حملتا صرخات مكبوتة، وقلبها المضطرب خفق حتى الغليان، وعقلها المرهق توقف عن التفكير، لكنها بقيت واقفة رمزا للصبر والصمود.
في الماضي، كانت الممرضة تهان وتسخر منها الألسنة، واليوم ترفع صورتها لتكون تاجا للشرف والكرامة. نعم، قاومت مع زملائها حتى آخر لحظة، ورغم أن الظروف الجائرة دفعتهم إلى رفع راية الاستسلام، فإن التاريخ لن ينسى أنهم كانوا في الصفوف الأولى، وأن دموعهم وعرقهم وتضحياتهم كانت أشرف من كل ألقاب الجبن التي أطلقها المستبدون.
قد تكون صورة ضعيفة مكسورة، لكنها شرارة تكفي لإشعال نار الغضب في وجه الطغاة. فمع شروق كل فجر جديد، يبقى الأمل أن العدل قادم مهما طال الليل، وأن الحق عائد مهما اشتدت قسوة الطريق.
لقد نالت هذه الممرضة شهادة النجاح الأخلاقي في زمن ماتت فيه القيم، صورة جسّدت معنى الكرامة الإنسانية المهدورة، مثل آية لمن يعتبر. نعم، دهسنا إنسانيتنا تحت أقدامنا دون أن نشعر، مثلما تذكرنا قصة النمل مع نبي الله سليمان عليه السلام؛ آيات في الكون تذكر الصالحين وتفضح الظالمين.
سلام على كل روح بريئة قاومت الموت بين ركام الحياة، سلام على كل من رحل بلا رحمة من قلوبٍ قست وتكبرت وظنت أن لا نهاية لها. لكن سنة الله ماضية: «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».
إنها صرخة في وجه صمتنا، دعوة لأن ننهض من غفلتنا، أن نغيّر المنكر ما استطعنا، باليد أو بالكلمة أو بالقلب، فذلك أضعف الإيمان. وسيظل قلم الحق شاهدا أن ما كتب اليوم قد يكون فاصلا بين زمنين: زمن الاستسلام وزمن اليقظة.

تعليقات
إرسال تعليق