كتابة التاريخ بدماء الشهيد يحيى السنوار

لا يوجد على الإطلاق أفضل من لفظ فارس والذي تقلده عن جدارة واستحقاق الشهيد -بإذن الله- يحيى السنوار. ذلك البطل المغوار الذي أعاد قيم الشجاعة والنبل والإيثار والتضحية لأمتنا العربية والإسلامية، بعدما ضللنا الطريق لعقود طويلة من الذل والمهانة، والانكسار لذلك العدو الآثم والجدير تصنيفه سابقا بقتلة الأنبياء وحاليا التوغل في قتل الأبرياء وتدمير مكتسبات الشعوب واهدار دماء الأطفال والنساء والرجال، والشيوخ على الأسفلت وبين الطرقات وتحت ركام الأبنية، وفي أعماق الأرض، كيان صهيوني ملوث بالدماء من بداياته وحتى وقتنا الحاضر. اغتالت يد المكر والعار والخيانة صفوة المجاهدين، القائد يحيى السنوار على أرض فلسطين الحبيبة في غزة الانتصار والانتفاضة.


طوفان الأقصى


سيذكر التاريخ أنه هو مفجر الطوفان الذي أرجع كل الفئران في المنطقة، والعملاء والمطبعين والمتواطئين إلى حجورهم غير مأسوف عليهم. قضى نحبه الشهيد في أرض المعركة وممسكا بسلاحه، ومتسلحا بالإيمان والقدرة على الصمود والثبات. انقلبت المعادلة وتغيرت أدواتها، وبعدما كنا نلاحظ معظم القادة بعيدة كل البعد عن ميدان المعركة، يديرونها من الغرف المغلقة المؤمنة إلا ما رحم ربي، ها هو السنوار يعطينا دروسا كيف يكون القائد مقتحما خطوط النار، وفي الصفوف الأمامية لا يهاب ولا يختبئ من عدوه، بل كاشفا صدره للأعداء متوكلا على -الله تعالى- ورابط على أرضه يأبى إلا أن يحمل نبراس النور، لكشف ظلام العدو ويلقنه الدرس الواحد تلو الآخر، فقدنا رجلا قلما يجود الزمان به، ولكنها إرادة الله -سبحانه وتعالى- وله في ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو، نهضة الأمة العربية والإسلامية لا تكون بالتقاعس والقعود وغض الأبصار، فالارض لا تحرر بكلمات السلام والمحبة والوئام والتعايش مع كيان صهيوني، اغتصب كل شيء، وظن أنه امتلك القوة الغاشمة في السماء، وعلى الارض وفوق سطح البحر، متشلحا بغطاء أمريكي غربي، فاق الوصف والحدود، وكأن العالم أجمع يحارب غزة الصغيرة مساحة الكبيرة في التضحية والفداء.


موت الشعوب على ظهر الحياة


منعت الشعوب من التظاهر والتأييد لفلسطين في بلادنا العربية والإسلامية، تم استخدام أداتي السندان والمطرقة على من يفتح فاه. إذا لم نجاهد بأجسادنا في سبيل الأرض والدين، فعلى الأقل نجاهد بالكلمة، وإن لم نستطع فبالدعاء. أصابنا وأحزننا شماتة بعض المحسوبين على الإسلام في موت الشهيد السنوار، ألا لهذه الدرجة وصلنا بامتياز إلى درجة كبيرة من التبلد، وفقدان المشاعر وحلت الحجارة والصخور محل قلوبنا، كلنا ملامين ومسؤولين عما يحدث، "واقدساه" رغم سطوة المتآمرين والخائنين والمغرضين. ستظل القدس القضية المركزية الكبرى وغاية الجهاد الأولى في قلب وعقل كل مسلم على أرض الخليقة، إن العين لتدمع على فراق أعز من أنجبت أرض الزيتون، مات مدافعا عن أرضه وعرضه، وقضية الجهاد التي نسيناها عن قصد وبدون قصد، مات الرجل واهبا حياته مقابل تحرير الأقصى قبلة المسلمين الأولى،ومسرى الرسول ومعراجه، القدس التي دفنت وتاهت واغتصبت مقدساتها. يكفي هذا الرجل شرفا أن أعاد الحديث عن تحرير فلسطين، وإقامة دولتها المستقلة على كامل التراب الوطني، وعاصمتها القدس الشريف، فجزاه الله تعالى حق الجزاء لإحياء الأمل لمن بعده. 


أحلام مستعصية 


حمل السنوار شعلة التحرير ولو سانده المسلمين حول العالم لكاد أن يصبح صلاح الدين الجديد، ولكن للأسف الشديد انبطح الجميع عن ظهره، وخافوا على عروشهم البالية، تم تخدير الشعوب بمادة قاتلة كي لا تقوم من نومتها، وتقاوم فقط من يوقظها، إلهاء بغيض احتل القلوب، وشغلت المادة الجميع وأصبح السعي إليها منتهى الغايات، الخوف على الأهل والأولاد جعل الكثير منا جبناء ساكتين عن الحق، باحثين عن الأمان، مقبلين على الدنيا وزخرفها وملذاتها بطريقة تدعو للشفقة والسخرية في آن واحد، ونسوا وتناسوا أن هناك رب أعلى وأقدر من أي سلطان أو حاكم كان، فالدنيا هي دار القرار الذي عندما تتخذه تذهب إلي دار الآخرة، وما بها جنة ونار، من لم يهتم بامر المسلم، فهو بعيد عن الإسلام وأركانه وتعاليمه التي جاءت عبر القرآن الكريم والسنة الشريفة، إذا لم نحرك ساكنا للدفاع عن الدين فمتى سنتحرك! 


مشاعر الحسرة 


عندما يتوقف القلب للحظات لاستذكار ما مر عليه من الأحزان القاسية، والتي كادت أن تقتله، لايسع المرء إلا أن يقول الحمد لله على عودة الروح إليه من جديد، احساس الدموع الحبيسة داخل جدران القلوب واهتزازها بعنف، وتآكل جدران العيون، بسبب سريان هذه الدموع إلى داخل قلوبنا، كسيل الأمطار بدلا من تناثرها على وجنات الوجوه، يأتي في مقدمة الأحزان وأشدها على الإنسان، هي لوعة الفراق وانتزاع أشياء من تفكيرك، رغما عن إرادتك تلبية لإرادة رب العباد، في المرة الأولى تئن وتتألم كثيرا، بعد ما ظننت أن ألا لا يأتي يوما وتفارق من تحب، وتحاول النهوض والوقوف مرة أخرى على قدميك وترضى بما قسمه الله -سبحانه وتعالى- لك وتنتظر ينابيع الخير، التي تنادي بها ليل نهار. 


أبرز مواقف وتصريحات يحيى السنوار


سنصلي في الأقصى 


لم يتخل يوما عن حلمه في الصلاة في المسجد الأقصى وكان دائما ما يعد الفلسطنين بقرب الانتصار على إسرائيل، فقال في نوفمير لسنة 2018  على موعد قريب سنصلي في الأقصى محررا مطهرا معززا مشرفا. 


مسيرات العودة


في مارس لسنة 2019 قال السنوار رغم البطش والقهر والتجويع، شعبنا يؤكد تمسكه بالثوابت، وحق العودة مهما تنازل المتناذلون أو طبع المطبعون أو نسق المنسقون، شعبنا يؤكد أنه ماض وأنه سيكسر الحصار، شعبنا خرج ليقول بدنا نعيش بكرامة.


أكبر هدية ممكن أن يقدمها الاحتلال لي 


في عام 2021 ظهر السنوار وهو يرد على صحفي سأله حول تهديد الاحتلال باغتياله، قال أكبر هدية ممكن يقدمها الاحتلال لي هي أن يغتالني وأن أقضي إلى الله شهيدا، وأضاف عمري الآن 59 سنة وأتمني أن استشهد ب F-16 وبالصوايخ على أن أموت بسبب كورونا أو جلطة أو حادث طريق أفضل أن أقتل شهيدا. 


قوة عسكرية نفتخر بها 


في أعقاب شن إسرائيل غارة جوية اغتالت خلالها قادة من حركة الجهاد الإسلامي نوفمبر لسنة 2019 توعد السنوار إسرائيل، قائلا سندك تل أبيل ونجعل صافرات الإنذار تدوي فيها صباحا ومساء وليلا 6 أشهر كاملة، وقدوفقنا الله خلال السنوات الماضية إلى بناء قوة عسكرية يحق لنا أن نفتخر بها. 


المقاومة فرضت نفسها 


في يونيو لسنة 2021 بعد معركة سيف القدس التي شنتها حركة حماس على إسرائيل، رفضا لاقتحامات المسجد الأقصى، وترحيل سكان حي الشيخ جراح في القدس، فقد قال المقاومة فرضت نفسها وآثارت المنطقة والإقليم، وأجهزة المخابرات الأمريكية والدولية، ومراكز الدراسات الاستراتيجية وجدت أن هناك خطورة حقيقية على حالة الاستقرار، وتابع أن ملف تبادل الأسرى قضية إنسانية مستقلة، أسرى مقابل أسرى، لا علاقة بملف الأسرى بأي تخفيف، أو إعمار أو كسر الحصار عن غزة أو أي إنجازات وطني. 


نتجهز لمعركة كبرى ستجعل الاحتلال بين خيارين 


قال السنوار قبل هجمات السابع من أكتوبر لسنة 2023 من كان يتخيل أن مقاومة شعبنا التي تعمل وتبني في المستحيل، والتي يحاصرها الأعداء والأقربون تستطيع أن تدك تل أبيب، وأقول لكم ما خفي كان أعظم، وتابع سنجعل الاحتلال بين خيارين إما ان نرغمه بتطبيق القانون الدولي واحترام القرارات الدولية ونحقق إقامة دولة فلسطينية أو أن نجعل هذا الاحتلال في حال تناقض وتصادم مع الإرادة الدولية كلها، وتوعد بالتجهز لمعركة كبيرة، إذا لم يكف الاحتلال عن الاعتداء على المسجد الأقصى.


نبذة عن نشأة ونضال يحيى السنوار


- ولد يحيى إبراهيم حسن السنوار في 19 أكتوبر لسنة 1962 في مخيم خان يونس وتعود جذوره إلى مجدل عسقلان المحتلة عام 1948، وبعد نضال كبير استشهد في 16 أكتوبر لسنة 2024. 


- في ثمانيات القرن الماضي اقترح على الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، وأباها الروحي إنشاء جهاز أمني، والذي سمي فيما بعد بجهاز الأمن والدعوة مجد لملاحقة الجواسيس، والخونة والعملاء الذين يتعاونون مع الاحتلال ويخترقون قادة الحركة، ويتبادلون المعلومات مع الأعداء. 


- في العام 1989 حكمت عليه إسرائيل من خلال المحكمة العسكرية في غزة، بأربعة أحكام بالسجن مدى الحياة و25 عام أخرى، بعد إدانته بقتل وتعذيب أربعة ، قضى منها 22 عاما، حتى إطلاق سراحه من بين 1027 أسير فلسطيني آخر في عملية تبادل أسرى عام 2011، مقابل إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط، عاد إلى مكانه قياديا بارزا في حركة حماس، ومن أعضاء مكتبها السياسي. فقد شغل مهمة التنسيق بين المكتب السياسي لحماس، وقيادة كتائب عز الدين القسام، بصفته «ممثلا للكتائب» في المكتب السياسي لحماس.


- في 13 فبراير 2017، انتخب يحيى السنوار رئيسا للمكتب السياسي للحركة، في قطاع غزة خلفا لإسماعيل هنية، فيما اختير خليل الحية نائبا له، وجاء اختيار السنوار رئيسا لحماس في غزة بانتخابات داخلية للحركة، أجريت على مستوى مناطق القطاع المختلفة، واستكملت حماس انتخاباتها الداخلية في الضفة الغربية، وخارج فلسطين لإنتخاب رئيس المكتب السياسي منتصف مارس 2017، وأعلن إسماعيل هنية رئيسا للحركة في الخارج خلفا لخالد مشعل. 


- وفي مارس 2021، اُنتخب لولاية ثانية مدتها أربع سنوات رئيسًا لفرع حماس في غزة في انتخابات أجريت سرا، وهو المسؤول الأعلى رتبة في حماس في غزة والحاكم الفعلي لغزة، وكذلك ثاني أقوى عضو في حماس بعد إسماعيل هنية، الذي استشهد في غارة بمسيرة جوية تابعة للاحتلال، على العاصمة الإيرانية طهران في 6 أغسطس الماضي لسنة 2024، وبعدها تولى السنوار رئاسة الحركة في الداخل والخارج.


* رحم الله الشهيد السنوار وجميع الشهداء والمجاهدين وعسى الله أن يرزقهم الفردوس الأعلى قال تعالى: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" 


"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" 


"وَلَا تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا"


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة