العتاب في اللغة العربية

تعد كلمة العتاب من المفردات اللغوية التي تتباهى بها اللغة العربية عن غيرها من اللغات الأخرى، فالعتاب يكون بين الأهل والأحباب والأصدقاء والأصحاب والجيران. وقد يكون أيضا العتاب مجازا لوطنك الأم وما قدمه ما يتولون زمامه وهل دفعوا به للأمام أم أعادوه للوراء كثير من الخطوات، هل تم ترسيخ الأخلاق واتباع العلماء والخبراء واتخاذ البحث العلمي طريقا للتقدم والازدهار! هل تم استخدام الاحتيال والمكر والخداع واللعب على جثث الأبرياء والأسوياء وأصحاب الهمم وجعلهم وسيلة للتلذذ بمعاناتهم وتوجعاتهم واحتياجاتهم، وكسر إرادتهم وتحويلهم لحقول تجارب يفعل بهم مثل ما يفعله العلماء بالفئران. بلى للأسف الشديد في لحظة ما تسود الرحمة بهم ويتم رعايتهم في مرحلة ما من مراحل التجارب عكس ما يفعل بالإنسان الآن. هناك العديد من مسكنات الأدوية التي تقدم للمريض وهو في أحلك لحظات وعكته الصحية وعلى شفا الدخول لغرفة الإنعاش، فهذه الأدوية قد تبطئ من توجعاته ولكنها لا تنقذه في آخر المطاف. مصير الأمم ليس بالضحكات والكلام الأجوف الخالي من أبسط قيم الإنسانية وبيع الأوطان في المزاد العلني، العتاب موصول لأهلنا المحاصرين الذين يئنون من ويلات الحروب، ولم يمد الجار أو الصديق يد العون لهم وتركهم في العراء يواجهون الموت سواء بالقتل السريع عن طريق النيران الموجهة أو بالقتل البطيء عن طريق سلاح الجوع الفتاك، يخفت نور القمر على من يغرر بهم ويمتهن كرامتهم ويشارك في حصارهم ويقبض الكل الثمن ملطخا بالدماء التي طفت على سطح المياه وطهرت الأرض وغسلتها من نار الخيانة وشقت طريقها نحو الطريق المقدس لقدس الأقداس، وأبدأ لن تشرق الشمس على رؤوس هؤلاء الخائنين مهما طال الأمد.

                              معاجم اللغة العربية

لم تترك لنا المعاجم العربية شيئا إلا وتم شرحه وتفسيره على جميع المستويات لمن أراد أن يغوص في بحر لغتنا المتوهجة التي لا تقارن، والتي ستظل حتى تقوم الساعة اللغة الفريدة الثابتة من أيام العصر الجاهلي وقبل ظهور الإسلام، وقد حفظها الله -سبحانه وتعالى- وكرمها بنزول القرآن الكريم بلسان عربي مبين، اللغة العربية يكون التكرار فيها جمال وبلاغة وتشبيهات بديعة واستعارات مكنونة كالأجراس السحرية، والبديهيات الشجية والفرح الموصول والحزن غير الممدود، إنما في اللغات الأخرى يتحول التكرار فيها إلى سخف وسخرية وحماقة. العتاب صفة حميمة توجه النفس للطريق الصحيح وتردها إلى الخير الساكن بالقلوب، وصفقة رابحة بكل المقاييس لا تساويها أيا من الصفقات الأخرى المشبوهة. من لا يفهم كيفية العتاب سواء لنفسه أو لغيره ورضى بالسكوت خوفا نقول له في لغة واضحة وضوح الشمس بأن قلبه أصبح صلدا - صلبا - متحجرا - على الرغم من أنه أحيانا ينبت النبات من بين شقوق الأحجار ورمال الصحراء وفوق الجبال وبين الوديان المتشاطرة، أهو الخوف الذي أعمى العيون وأصم الآذان وأبكم الأفواه، هناك من تعلق بمتاع الدنيا الزائل ورؤية الأهل والأبناء في أحسن حال وغض النظر عما دون ذلك، ونسي بأن من لم يهتم بأمر غيره من المسلمين أصبح إسلامه منقوصا. فالإنسان لا يموت مرتين وإنما هي مرة واحدة، والذي لا إله إلا هو كثير من الناس لا يفقهون سوى لغة واحدة ألا وهي لغة المادة فقط. والأيام قادمة وعندها سيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

                                  نقاء اللغة العربية

أثبتت لغتنا العربية أنها ليست دخيلة أو مختلطة ولكن كل اللغات الأخرى هي من استعارت كلمات عديدة من لغتنا واللغات الأخرى وأصبحت خليطا سيئ من المفردات والجمل والأفعال واختفى النقاء منها عوضا عن تحريفها من عصر لآخر، الحرب على لغتنا ليست بالجديدة وإنما هي حرب مستمرة منذ قديم الأزل، فالمستعمر عندما لا يقدر على احتلال أراضينا بالقوة يحاول بشتى الطرق احتلال لغتنا من على بعد وجعل أعيننا تتلألأ بلغته، وذلك عندما جعلها اللغة الأساسية بالعالم لكي يجعلنا نترك لغتنا الشيء الوحيد الباقي بحوزتنا، وننساق عن طيب خاطر كالقطيع مسرعين لتعلم لغته وكل ما فيها من عادات وتقاليد غربية غريبة على مجتمعاتنا.

                          النحو والإعراب في العتاب

فالعتاب بكسر العين مصدره عتب وهو اسم ومعناه اللوم عن تصرف مكروه، وتشتق من أفعال كثيرة مثل عتب بالفتح التاء وعتب بتشديد التاء وعاتب واستعتب وتعتب، ويشتق منه أسماء أخرى مثل التعاتب والعتبة والمعتب، العتاب شعور صحي يزيل الهم والكرب والألم الذي يستقر بالقلب، ومن ثم يكون العلاج هو أن تذهب للشخص المقصود بالعتاب لتواجهه بما فعل أو قال أو اشترك مع الغير في شيء بعيد كل البعد عن المودة والصلة والقرب، والإخلال بالزيارة وترك المعونة والضغط على الوتر الحساس والانفعال الذي يأتي في غير محله، وما يشاكله وتحاول أن تثنيه عن فكره الأهوج المندفع كرياح الخماسين العاصفة، والسيول الكاسحة والألسنة السليطة المتكبرة المغرورة والمغرر بها، والأنا وحب الذات وتدني احترام النفس البشرية والبخل في الدين والمال والإحسان، وترك الفروض والعبادات ومشاطرة المنافقين والنمامين ومساندة العملاء والخونة والمتآمرين، وبائعي الأرض والعرض والشرف وتدعوه لإصلاح مساره، وكسر الفرقة والرجوع لسابق العلاقة في متانتها وعنفوانها وبهائها.

                                صفات العتاب

لا يكون العتاب إلا ممن له موات يمت بها فهو مفارق للوم مفارقة بينة، وهناك فرق بين اللوم والذم، حيث إن اللوم هو تنبيه الفاعل على موقع الضرر في فعلة وتهجين طريقته فيه، وقد يكون اللوم على الفعل الحسن كاللوم على السخاء والذم لا يكون إلا على القبيح واللوم أيضا يواجه به الملوم، والذم قد يواجه به المذموم ويكون دونه، وتقول حمدت هذا الطعام أو ذممته وهو استعارة ولا يستعار اللوم في ذلك، ورد الجذر عتب في القرآن الكريم خمس مرات والصيغ التي وردت بها بالفعل المضارع أربع مرات ” قالوا لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون” ومرة واحدة كاسم مفعول “وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين” وورد العتاب في القرآن بمعناه اللغوي وهو الإدلال ومذاكرة الموجدة.

                              أشعار العتاب

تغنى الشعراء في أبياتهم الشعرية بالعتاب وأبدعوا في وصفه ومنهم على سبيل المثال:

الشاعر مصباح المهدي والذي قال عنه عبد الرحمن الأبنودي إنه المواطن الفقير الذي يئن تحت أقدام السادة، والذي يتحدث الجميع باسمه دون النظر إليه أو محاولة الاقتراب من أحواله، مونولوج شديد العتاب لمحبوبته مصر.

صوتي لحضن وطن

صوتي لحضن ماهوش كفن.

يا ضحكة بكر مامسهاش أوباش !!

الشاعر ابن عنين

جَعلَ العِتابَ إِلى الصُدودِ تَوَصُّلا
ريمٌ رَمى فَأَصابَ مِنّي المَقتَلا
أَغراهُ بي واشٍ تَقَوَّلَ كاذِباً
فَأَطاعَهُ وَعَصيتُ فيهِ العُذَّلا
وَرَأى اِصطِباري عَن هَواهُ فَظَنَّهُ
مَلَلاً وَكانَ تقيةً وَتَجَمُّلا
هَيهاتَ أَن يَمحو هَواهُ الدَهرُ مِن
قَلبي وَلَو كانَت قَطيعَتُهُ قِلى

أمير الشعراء أحمد شوقي

على قدر الهوى يأتي العتاب
ومن عاتبت تفديه الصحاب
صحوت فأنكر السلوانَ قلبي
علىّ وراجع الطربَ الشباب
وللعيش الصبا فإذا تولى
فكل بقية في الكأس صاب
وما ورثت له عندى حبال
ولا ضاقت له عني ثياب

شاعر السيف والقلم محمود سامي البارودي

خَلِّ الْعِتَابَ فَلَوْ طَلَبْتَ مُهَذَّبَاً
أَعْيَاكَ مَطْلَبُهُ بِهَذَا الْعَالَمِ
إِنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ إِلَيْكَ جَرَى بِهِ
قَدَرٌ فَإِنِّي مِنْ سُلالَةِ آدَمِ

الشاعر القاضي الفاضل

عَدِّ العِتابَ فَما أَعَدتُ عِتابا
وَكَفَيتُكَ الإِقلالَ وَالإِطنابا
وَإِذا السَحائِبُ لَم تُغِثكَ بِقَطرَةٍ
أَلحَقتَ في نَسَبِ السَحابِ سَرابا
وَوَضَعتُ قَدرَكَ أَن يَكونَ سَحابَةً
وَرَفَعتُ قَدري أَن يَكونَ تُرابا
وَبَذَلتَ لي مَلَقاً وَقُلتَ كَرامَةً
أَسدَلتَها دونَ الرَجاءِ حِجابا

الشاعر العباس بن الأحنف

ما زِلتُ أُحذَرُ هَذا العِتابَ
مِن قَبلِ أَن أَستحِقَّ العِتَبا
وَكُنتُ عَلى وَجلٍ مُشفِقاً
أُطيلُ البُكا وَأَعِدُّ الجَوابا
أَلا تَرحَمينَ فَتىً مُغرَماً
بِحُبِّكِ يَسقي الدُموعَ التُرابا
فَما خُلِقَ الحُبُّ لِلعالَمي
نَ إِلا شَقاءً وَإِلا عَذابا

الشاعر بشار بن برد وهو شاعر مخضرم عاصر الدولة الأموية والعباسية

إذا كنت في كل الذنوب معاتِباً
خليلَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
فعشْ واحداً أو صلْ أخاك فإنِّه
مقارفُ ذنبٍ مرةً ومجانبه
إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى
ظمئْتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربه
أَخوكَ الَّذي إِن رِبتَهُ قالَ إِنَّما
أَرَبتُ وَإِن عاتَبتَهُ لانَ جانِبُه

الشاعر المعولي العماني وهو شاعر عاش في أواخر القرن الحادي عشر إلى أواخر القرن الثاني عشر

ألا فاعذرانِي إن عتبتُ عليكما
وإن أنا أهديتُ الملامَ إليكما
لأَنكما أنكرتماني مودةً
قديمًا كأني ما أقمت لدلكما
وقُلتَمْ مقالًا يُحزن القلبَ بعضُه
ولو لم تقولاه فمَاذَا عليكُما
أردّدُ فكري فيكما كل ساعةٍ
وحاشاكما والحقُّ بين يديكمُا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة