ما أصعب على النفس من الشجن المصحوب بالشقاء، حين تُكبَّل سواعدها بأغلال الحقد، وتُقطع شرايينها بسكاكين الغدر، وتمحى كرامتها بأموال الخيانة. هيهات من بزوغ عصر الفساد المستشري في جسد الأمة والذي نحل وبرها ولم يبق منه سوى الأطلال البالية، التوحش في عالم الغابات أصبح هينا مقابل ما يحدث للأطفال في غزة مع إخوانهم وأخواتهم وأمهاتهم ووالديهم وشيوخهم وأجدادهم والذين تقطع أوصالهم وأجسادهم، ومن ثم تصبح أشلاء متبعثرة في أرض الأنبياء فلسطين العزيزة على القلب، في عز النهار وفي قلب الليل تذبح غزة في صمت، حتى براءة الرضع وصراخهم واستغاثتهم لم تسلم من أذى مصاصي الدماء الحقيقيين بعدما كنا نسمع ونراهم فقط في الروايات الورقية المتمثلة في الأفلام الخيالية، الإنسانية طعنت في مقتل وذهب رحيق ورودها سدى، قصف شنيع مع وابل من القنابل والصواريخ والمدفعية فوق رؤوس الأطفال، عدو صهيوني جبان قتل أهلنا بلا رأفة مع ترحيب عالمي فاق الوصف. تم كسر كل القواعد والقوانين والأعراف الدولية من أجل هذا المحتل الغاصب والمستعمر الوحيد الباقي في دنيانا الآنية، عميت العيون كافة عما يقترفه هذا العدو وكأن العالم بأجمعه مدين له ومطالب بالسكوت، بل بالمزيد أيضا وهو التصفيق والتأييد دون فتح الأفواه، عزائنا لموتانا وشهدائنا ومصابينا الأبرياء بالرحمة والمغفرة وأن يزينوا الجنة ببراءتهم والشفاء لجرحانا حيث ذنبهم الوحيد أنهم حافظوا وتمسكوا بدينهم ومن ثم اغتالتهم أيدي الغدر والخسة والخيانة. مشاهد أدمعت العيون الصائمة، واقشعرت لها القلوب المؤمنة، واتصدمت لها العقول الناضجة، واختلفت لها الأفكار، وانكنفت لها النفوس، واكتئبت لها الأرواح، أهذه حرب أم تطهير عرقي أم إبادة جماعية للإنسانية! ونقول لهم بلغة حادة وتصميم جاد وقلوب موحدة وصابرة أنها حرب على الإسلام والعقيدة لكي يسقط هذا الدين، ولكن الله تعالى سيظهره على الدين كله وأنه سبحانه متم نوره ولو كره الكافرون، ومهما اشتد الظلم والطغيان مآله إلى زوال.

الطعنة الكبرى
لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أسهمت المعطيات السالفة بشدة للنتيجة المرة التي ألبستنا ملابس العار الآن وهي وقفتنا كالمتفرجين على الأحداث، إننا لسنا في فيلم سينمائي أو مسلسل تليفزيوني أو فصول مسرحية استجار خشب المسرح قبل الأفراد أنفسهم من الحمل الزائد من كبت المشاعر وفظاعة الصورة وسواد المشهد، وجعل الأحداث تمر مرور الكرام بلا مقاومة أو دفاع أو صياح أو تكبير، أو انتفاضة تنفض تراب الهزيمة من على أجسادنا، لماذا نعري أنفسننا بأيدينا، لماذا نرتدي ملابس العار ونصفق فرحا بالهوان! ولدنا أحرار ولكن يأبى البعض إلا أن يجعلنا نعيش أمد الدهر عبيدا أذلاء مقهورين، لجام الخوف يتحكم فينا ويسوقنا إلى الهاوية، ثمار الآخرة مباركة وثمار الدنيا فانية مع أشرارها، يتشاجر الناس من أجل حياتهم الدنيا ومصالحهم الشخصية، حب النفس يقتل كل ذرات التفكير في المصير المحتوم والأهم في الدفاع عن الدين ومقدساته والهوية العربية الإسلامية، عميت أعيننا عن الحقيقة الدامغة وجرينا خلف السراب والوهم والضلال، لماذا يحركوننا مثل قطع الشطرنج يمينا ويسارا وعلى كل شكل ولون! السلم والثعبان مستمر معنا إلى نهاية الخلطة الجهنمية، كثرت الشياطين في الوادي ولوثوا مياهه الطاهرة وشاركوا الأعداء في جفافه، نبع الحياة إلى ضياع وصناع القرار في واد آخر يختلسون لحظات من الشهرة والمال والنفوذ والسلطة المؤقتة بإذن الله، يستمعون للحق ثم تنطق ألسنتهم كذبا وزورا، يضحكون على شعوبهم وفي الواقع إنما يضحكون على أنفسهم، منافقين موزعين بالتساوي في كل البقاع يمدحون ويطيعون من غير ما يفقهون، أيها السفهاء البلهاء اتقوا غضبتنا ولا تغترون بصبرنا، ستشرق الشمس رغم بطش الجبارين هنا وهناك، الظلام سوف تقهره أنوار القمر والنجوم والكواكب، دوار الأرض قادم لا محالة وبوصلة الأمل تنادينا من بعيد، كل روح تنبض شرارة موقوتة، لا تنظرون إلينا كأموات على ظهر الحياة.
روحانيات النصر المبين يحتار القلم عند اختيار الكلمات والجمل والتركيبات والنحو والصرف والتشبيه والبلاغة والاستعارة، ويعجز اللسان عن وصف صمود الأبطال، الذين تحركوا فرادى وجماعات بخطوات ثابتة وأقدام راسخة وشجاعة مدروسة وإيمان قوي لا يتزعزع. وعليه لا يجوز مطلقا توجيه اللوم والعتاب وعدم حساب رد الفعل ومثله من الكلام الأجوف، أهل مكة أدرى بشعابها، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156 آل عمران)، غطى طلب الشهادة على ربوع المعركة الفارقة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، مشاهد تثلج الصدور وتنير القلوب وتبعث على التفاؤل، ما قامت به المقاومة وجموع الشعب الفلسطيني مهما كانت النتيجة النهائية فهو بلا شك يعبر عن اليقين بأن هذه الأمة بعثت من جديد، وعقارب الساعة لم ولن ترجع مرة أخرى للوراء، وأن الانتصار قد ظهر جليا في الفضاء الشاسع والأرض المباركة والبحر الملء بالنضال والكل رأى النصر بكلتا عينيه سواء القريب أو البعيد وحتى العدو والصديق والخائن والعميل منذ بدء اليوم الأول من عملية طوفان الأقصى، صمود شعب غزة والضفة الغربية والقدس وكافة بقاع فلسطين المحتلة لا يضاهيه أي تضحية كانت قد قدمت من قبل في التاريخ، الحمد لله على نصرة المظلومين الذين وقفوا فرادى بصدورهم العارية وتخلى عنهم ما يقارب الاثنان مليار مسلم أمام بطش جبروت العالم المنفلت أخلاقيا وروحانيا وإنسانيا، عندما يتصل أهل غزة المحاصرون بعلماء الدين ليسألوهم بضعا من الأسئلة التي تبكي الأنفس أنهارا عند سماعها ورد عليهم العلماء بأنهم تفقهوا وتعلموا أصول الدين منهم وجعلوا العلماء يخجلون من أنفسهم بسبب هذه الأسئلة، مثلا السؤال الأول كيف لهم أن يصلوا وهم تحت الأنقاض، والسؤال الثاني كيفية الوضوء وقد حرموا من الماء، والسؤال الثالث ما هو الدعاء المستحب لكي يصمدوا في وجه الطغيان، والسؤال الرابع كيف لهم أن يجاهدوا ويساعدوا أخوانهم ولم يبقي بين أيديهم سوى القليل، والسؤال الخامس هل يقبل الله تعالى تمسكهم بالأرض وموتهم شهداء من أجلها، والسؤال السادس عن الطهارة من الجنابة في عز مصابهم الأليم، وغيرها الكثير والكثير من المسائل الموجعة للعقل والقلب. "يا أهل مكّة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشمٍ هلكى لا يُباع ولا يُبتاع منهم!، والله لا أقعد حتّى تُشَقَّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة"(زهير بن أبي أميّة ). لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14الحشر)، إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
مُرْدِفِينَ} (9 الانفال) ما أروع ان تشفى بآيات الله صدورنا.
ذهب كثير من العلماء بأن الدعاء فقط لفلسطين ليس هو من يحررها وينصر أهلها ويعزهم ويخفف عنهم ويوقف آلة الحرب المدمرة ضدهم، فنحن الآن المسلمين لسنا عديمي الحيلة والعدد والعتاد والمال والبترول والمقاطعة فلا يسقط عنا بالتأكيد فرض الجهاد والنفير العام، أما آن للأبواب المغلقة أن تفتح وأن تنطلق قوافل الملبين من كل فج عميق! ولكن للأسف الشديد هناك أناس منا وقفوا صدا منيعا ضد مجرد تفكيرنا بل استكثروا علينا حتى الدعاء لإخواننا، لجموا ألسنتنا منهم لله وحسبي الله ونعم الوكيل من رؤوسنا لأقدامنا، الرسول صل الله عليه وسلم عندما أوذي من الكفار وسالت الدماء من خده الشريف دعا دعائه الشهير، وتدرعه لله تعالى كان في بداية الدعوة حيث قلة عدد المسلمين، واشتداد عذاب الكفار للمسلمين الأوائل من الضعفاء، أي لم يكن قوي عود المسلمين قط كما صار بعد ذلك، الحديث يرويه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه فيقول: لما توفي أبو طالب خرج النبي إلى الطائف ماشيا على قدميه، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه فانصرف فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم قال: ( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ) رواه الطبراني في " الدعاء " (ص/315) واللفظ له – وعزاه بعض أهل العلم إلى " المعجم الكبير " للطبراني-، ومن طريقه الضياء المقدسي في " المختار " (9/179) ، ورواه ابن عدي في " الكامل " (6/111) ، ومن طريقه ابن عساكر (49/152) ، ورواه الخطيب البغدادي في " الجامع لأخلاق الراوي " (2/275) وغيرهم.

تعليقات
إرسال تعليق