ما وراء الصراع الروسي الأوكراني
حسبما يؤكد جمع غفير من المحللين والمتختصين والباحثين المتعمقون في الشؤون العالمية على أن أي حرب لا تشتعل هذه الأيام إلا وتكون لها جذور تاريخية ومعطيات قد حدثت للمعادلة العالمية ومن ثم تأجج الصراع الجاري الآن، فصعود المارد الأمريكي بعد هزيمة المانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية 1945 م ، وتبعها تفكك الإتحاد السوفيتي بفعل فاعل عام 1991 م، والاعلان عن انتهاء الحرب الباردة بين أمريكا وحلفائها والاتحاد السوفيتي من جهة اخرى، والتي بدورها نتج عنها إنتهاء قطبي العالم وأصبحت أمريكا تقود العالم كقطب اوحد لا شريكا لها تضغط على التنين الصيني وتحتضن الغرب أي أوروبا تحت عباءتها وتوقف النمور الأسيوية الصاعدة كالهند واليابان وأندونبسيا وماليزيا وسنغافورة وتحجم روسيا الاتحادية الكيان الوحيد الصلب بعد تفكك الإتحاد السوفيتي وظهور دويلاته الصغيرة الضعيفة.
ماذا يريد بوتين؟
يعد فلاديمير بوتين من الرؤساء الذي يجب أن يتوقف التاريخ عند أمثالهم، فقد أصبح القاصي والداني في شتى بقاع الأرض يردد اسم بوتين وذلك لعدة إعتبارات فبعد ما يقارب الثلاثة قرون على تفكك الإتحاد السوفيتي وكسر شوكته وجعله ينكف على نفسه، حيث انتزع من تحت أقدامه كل موطأ قدم قد وضعها في أي بقعة من بقاع الأرض، جاء بوتين وحاول حثيثا المضي قدما في إعادة لروسيا الاتحادية للواجهة العالمية مرة آخرى بعد فترتين رئاسيتين قضاهما في تنمية البلاد من الداخل أولا والإنغلاق على حدوده يجهز ويستعد لما هو قادم، فقد أدرك أن أمريكا والغرب لا يريدون قائمة مرة لاخرى للدب الروسي، في حين استطاعت أمريكا السيطرة على معظم دول الاتحاد السوفيتي السابق واستمالتها لقبضتها عن طريق ذراعها العسكري حلف الناتو الذي وصل على مشارف روسيا والدول الملتصقة بها لجعلها لا حول ولا قوة لها وهدد الحلف أمن روسيا القومي عبر نشر قواعد عسكرية على مشارف حدودها حتى وصل الأمر لأوكرانيا.
روسيا تركت أمريكا تغزو العراق وأفغانستان وتتحكم في الثورات العربية وحرب اليمن، وتشارك بقواتها في محاربة نظام بشار الأسد في سوريا وقد قاربت على أن تقضي عليه ولكن النظام السوري استعاد عافتيه ونفوذه بعد دخول روسيا حلبة الصراع حيث يوجد بسوريا أقدم قاعدة روسية بالشرق الأوسط وتكاد تكون الوحيدة، وقف النظام السوري على قدميه من جديد وبسط نفوذه على أغلب أراضيه التي مزقتها الحروب وانتشار الإرهاب والقتل في كل مكان والحرب بالوكالة ومساعدة كل دولة جماعتها وذراعها هناك، عندها أيقنت روسيا أنها بعثت من جديد واستدارت أمريكا ظهرها وخلعت يدها من سوريا غير مأسوف عليها، شعر بوتن بانه قادر على إستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي السابق، وتوالت الخطوات وسيطر الجيش الروسي على شبه جزيزة القرم الإستراتيحية من أوكرانيا لتكون لها موضع قدم على بحر آزوف والبحر الأسود وتسهيل مهمة القوات الروسية لمواجهة أي تهديد قادم.
بوتن شكل قاعدة جماهرية لا بأس لها فقد أخمد صوت كل معارض فهو يكره الديمقراطية ويتعامل بسوط القوة فقط، حدث جيشه وأعاد التكنولوجيا الروسية مرة آخرى تضاحي كل ترسانات الغرب وأمريكا وقد تتفوق في بعض الأحيان، ما شجع بوتن للمضي قدما في مغامراته هو كم الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية التي احتفظت بها روسيا من بقايا زمن الإتحاد السوفيتي والتي ترعب أي ما كان للتفكير ولو للحظة في محاربة روسيا او الإشتباك معها ناهيكم عن مصادر الطاقة الموجودة بروسيا والذي تمد الغرب باكثر من ثلثي إحتياجته من الطاقة وسعي أمريكا والغرب للإستغناء عن هذه المصادر وتوفيرها من دول آخرى ليس بالأمر الهين ويحتاج وقتا كبيرا لتنفيذ ذلك المخطط.
مقدمات الحرب
وقعت الثورة الأوكرانية فبراير 2014 المعروفة أيضا باسم ثورة الميدان الأوروبي أو الانقلاب الأوكراني أو ثورة الكرامة الأوكرانية، حين انتهت سلسلة من الأحداث العنيفة التي شارك بها متظاهرون وشرطة مكافحة الشغب ومسلحون مجهولون في العاصمة كييف بطرد الرئيس الأوكراني المنتخب فيكتور يانوكوفيتش وإسقاط النظام الأوكراني الموالي لروسيا وتولى رئاسة أوكرانيا.
أقدمت الحكومة المؤقتة بقيادة أرسيني ياتسينيوك على توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، أصبح بترو بوروشنكو رئيسا لأوكرانيا بعد نصر ساحق في الانتخابات الرئاسية المبكرة غير المقررة لعام 2014، ثم إعتلى الرئيس الحالي لأوكرانيا هو فولوديمير زيلينسكي وأدى اليمين الدستورية رئيسًا للبلاد بتاريخ 20 مايو 2019، وهو رجل دولة أوكراني وممثل وكوميدي سابق وحصل على اعتراف عالمي كزعيم لأوكرانيا في زمن الحرب خلال الغزو الروسي لأوكرانيا والذي بدأ التودد للغرب ومحاولة تفعيل الشراكة الأوربية وتقديم طلب العضوية لحلف الناتو.
بناءا على هذه المتغيرات في مارس 2014 إستولت روسيا على شبه جزيزة القرم التي كانت جزءا من الأراضي الأوكرانية منذ عام 1945 وشكلت حكومة تابعة لها هناك بعد نجاح الإستفتاء الخاص بالإنضمام للأراوتعد الجزيرة ذات موقع إستراتيجي على البحر الأسود وتعطي روسيا منفذا بعد أن كانت حبيسة ومتوقعة داخل حدودها ولا تستطيع بناء أسطول بحري قادر على ردع أوروبا وحلف الناتو، وكانت روسيا أقدمت على هءه الخطوة بعد مظاهرات حاشدة اجتاحت أوكرانيا وخلع الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا والإتيان بالرئيس الحالي زينسكي الموالي لأمريكا والغرب.
صافرات الحرب
صحى العالم على دوي أصوات القنابل والصوايخ الروسية على سماء وأراضي أوكرانيا في 22 فبراير من سنة 2022، بعد إعتراف روسيا بانفصال الجمهورتين الشرقيتين وهما لوغانسك ودونيستك، ومن ثم حشدت روسيا ما يعادل 150 الف من الجنود على الحدود المتاخمة لأوكرانيا في منطقة دونباس، وبعدها أعلن رئيس روسيا الإتحادية مطالبه الأربعة لأوكرانيا وهي الوقوف على الحياد ونسيان فكرة الإنضمام لعضوية حلف الناتو، ونزل السلاح وضمانات الأمن المتبادل في سياق النموذج النمساوي، العملية التي يشير إليها باسم نزع النازية، وإزالة العقبات امام توسع اللغة الروسية بأوكرانيا.
في بداية الحرب تخيل الجميع أن تنتهي الحرب في أسابيع قليلة نظرا لفارق القوة الشاسع بين الترسانة الروسية الفتاكة المنصفة في المركز الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية بل تفوقها في بعض أنواع الأسلحة والصواريخ والتكنولوجيا المتقدمة، حيث في الأيام الأولى للحرب شنت روسيا هجومها على سماء وأراضي أوكرانيا من جميع الجوانب وأحرزت تقدما ملحوظا في المنطقة الشرقية مع مناصرة قوات الجمهورتين الإنفصاليتين اللذان لم يأخذا الكثير من الأيام وإنسحب الجيش الأوكراني بعد مقاومة لا تذكر، وتوغلت الجيش الروسي على مشارف العاصفة كييف وقطع الطرق المؤدية إليها، وهجم أيضا على مدينة ماريوبول ثاني أكبر المدن الأوكرانية وحاصرها لأسابيع حتي سقطت بعد مقاومة شديدة من الجيش الأوكراني ومن ثم سقطت مدن الجنوب الشرقي خارسوف وزاباروجيا وتستعد روسيا لإجراء إستفاء هناك للإنضمام للإمبراطورية الروسية.
والسؤال الملح هنا.. لماذا تأخرت روسيا في حسم الصراع حتى الآن؟
عند اندلاع الحرب تركت أمريكا وأوروبا حليفتهم أوكرانيا في مواجهة الدب الروسي وإكتفت بالتنديد والخطابات الرنانة التي تحتوي على التهديد بالعقوبات الإقتصادية فقط على روسيا والإعلان صراحة عن عدم الدخول في حرب مباشرة مع روسيا، والتي ردت روسيا عليها بالتهديد بسلاحها النووي، وبعد أن أدركت أمريكا وأوروبا الخطر الذي يشكله الجيش الروسي على حدود الدول المنضمة للحلف في بولندا وفلندا وعلى مضض بدأت بعض الدول تتشجع وترسل الاسلحة والعتاد لأوكرانيا كأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا وشاطرهم بعض الدول الآخرى من شتى بقاع المعمورة، وامريكا بالطبع جعلت أوكرانيا تخوض حربا بالوكالة وأمدتها بالمعلومات الإستخباراتية وبعض الأسلحة القادرة على وقف الزحف الروسي وجعله يجد مقاومة شديدة على كافة الأصعدة.
ساعدها في ذلك ضعف الإمداد اللوجستي للقوات الروسية وعدم وضع الخطط الكاملة وعدم حساب تدخل الدول الغربية في الصراع، خسرت أوكرانيا الكثير من الجنود ودمار هائل في مصانع الأسلحة والبنية التحتية والمطارات يقدر ب 600 مليار دولار بجانب الخسائر البشرية فالوفيات تخطت ال 46 ألف شخص على الأقل والإصابات تجاوزت ال 12 ألف شخص، في المقابل خيرت روسيا بعض معداتها وأفراد من جيشها لقوا حتفهم، وكانت الضربة القاضية هي تدمير الجيش الأوكراني السفينة مسكوفا التي تزن 12490 طنا وهي أكبر سفينة حربية روسية تغرق خلال أداء مهامها منذ الحرب العالمية الثانية، والتي تعد رمز قوتها وفخرها وتدميرها بصواريخ متعددة مع طائرات بدون طيار الدرون وبمساعدة غربية ومن ثم غرقها والتي أحدثت دويا عالميا وجعلت روسيا تهدد كل من يقف بجانب أوكرانيا وجعل هذه الدول معادية وقذف شحنات الأسلحة القادمة لأوكرانيا قبل وصولها للحدود.
في النهاية لايمكن لأي كان أن يتببأ بما سوف تؤول إليه الأمور، فالمعارك مستمرة والخراب مستمر وآلة الحرب ما زالت تحصد الآلاف من جثث البشر، وحكماء العالم يتفرجون والتعاطف مع الشعب الأوكراني يزداد والهجرة بالملايين للدول المجاورة تزداد يوما بعد يوم، وفي الأفق القريب لا يوجد سوى محادثات سلام مطالبها ترفض من الجانبين، روسيا تجاري الزمن لحسم المعارك وسط مقاومة شديدة من الأوكرانيين بدعم من أمريكا والغرب، العقوبات الإقتصادية المفروضة على روسيا سواء تصدير الغاز أو التعاملات البنكية أثرت بلا شك في الإقتصاد الروسي المحاصر ولكن بوتين لا يعطيها أي أهمية وماض في حربه بلا هوادة، و لعل الايام القادمة سوف تسفر عن أي شديد، والحل في النهاية مآله إلى إتفاق فروسيا لا تريد إحتلال أراضي أوكرانيا كما أكدت واعلنت وإنما تلبية مطالبها السالف ذكرها وإيجاد الضمانات لعدم تهديد أمن روسيا القومي في المستقبل، فالحرب مهما إمتدت لا بد من الجلوس في النهاية على طاولة المفاوضات، ويعطي الجميع الفرصة لعدم سقوط ضحايا جدد، ووقف مبيعات الأسلحة والتأثير واللعب في إقتصاديات العالم أجمع، فالعالم بلا شك أنهكته هذه الحرب وتعرصت موارد الطاقة والغذاء لصفعة قوية شعر بها العالم من شماله لجنوبه ومن شرقه لغربه.

تعليقات
إرسال تعليق