بكاء وطن وراء القضبان
يولد الإنسان مشدودا بخيط سري إلى وطنه، يحفظ في قلبه لؤلؤة الكرامة، ويرفض أن يبيعها مهما ضاقت به السبل. يتشبث بذكريات طفولته، ويدافع عن شرفه وكبريائه، يبحث عن العنوان وسط الركام، ويقاوم تكميم الكلمات، ومصادرة الحروف قبل أن ترى النور.
تساقطت القيم حين انهارت الأخلاق، وفسدت النفوس، وارتفع صوت الكذب والنفاق. شيّدت الأسوار حماية لعرش الظالم، وكثرت ضربات السياط، وترك الخوف ندوبه على الأرواح. ومع ذلك، ظل الإنسان يرسم بروحه خارطة الطريق، مؤمنا أن الأوطان لا تُقاس بعددها، بل بوطن واحد يسكن القلب، مهما اشتدت المحن.
وراء الأسوار المظلمة، يبقى الشعاع متاحا لمن يمد يده إليه. فالعسر، مهما اشتد، ليس النهاية، بل بداية التصحيح نحو اليسر الكبير. الأحرار لا يفتحون الطريق للعدو، ولا يقبلون الخداع، ولا يسكتون على الجهل والتغييب. يعرفون أن السعادة لا تكتمل وجارهم جائع، وأن قوت المساكين ليس غنيمة للذئاب، ولا الخيرات حق للصوص والمصفقين للمجرمين.
ويح لصمت العلماء والمفكرين، لوثة للشعراء التائهين بين مطرقة الخوف وسندان الولاء القسري. بعد طول الغفلة، يتصاعد الصراخ من الأعماق، يمد الأخ يده لأخيه مهما فرقته المسافات، ويحلم بصوت مسموع وراية مرفوعة.
الوطن ليس حدودا وأنهارا وصحارى فقط، بل هو نسيم الحرية، وانطلاق الطيور محمّلة بالأمنيات، وأغاني البلابل، وتفتح الزهور مع الفجر، وارتياح القلوب بعد الشقاء. الحب يولد في ربوعه، يكبر في ظلاله، ويورق على شرفاته.
عندما تجتمع القلوب على كلمة سواء، تخترق قوافل الظلم، ويشد الأحرار على أيادي بعضهم، لا يهزهم فساد حاكم، ولا استبداد طاغية. الخير، وإن تأخر، منتصر لا محالة، مهما علا صوت الباطل.
كيف يرضى المرء أن يعيش ذليلا منقادًا مقابل قوت يومه؟ كيف تضرب القيم في مقتل وتحاصر المقدسات بلا وازع؟ الوطن جرحه عميق، لكن أبناءه يحاربون السرطان والوباء، ويمهدون الأرض لتعود خصبة كما كانت.
تختزن الذكريات صور طفولة بريئة، ودماء زكت الرمال، ومياها خالدة وطرقا مباركة مر عليها الأنبياء. تين وزيتون، ونعيم من خير الله، وبركة أوصى بها رسول الله محمد "صلى الله عليه وسلم". العمر على أرضه يزيد شبابا، والغربة تسرق الروح قبل الجسد.
كم من مغترب حمل في صدره وجع الغياب، وعاد بأمل اللقاء، بينما غدر به زمن المصالح والمقاييس المقلوبة. ومع ذلك، يظل الأمل حيّا، يربّت على القلب قائلا: راجع إلى حضن وطنك.
وطني… لا تبك. فما زالت فينا جذوة الانتماء، وما زلت شامخا رغم الغيوم. لعل أبناءك يحققون ما عجزنا عن فعله، وعزاؤنا أننا حاولنا. فلا تحزن، ما دام في الأرض أناس لم يبيعوا أرواحهم للطغيان. الحمد لله على المكتوب، وعلى ما تخبئه الأقدار من خير ويسر قريب، بإذن الله.

تعليقات
إرسال تعليق