الجنون
يعرف الجنون لغويا بأنه (مرض ذهني) يصاحبه زوال وفقدان العقل لوظائفه وعدم التمييز بين ما هو صالح وماهو طالح، أو عدم القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، أو التعرض لصدمة ما مثل الفرحة الشديدة الزائدة عن الحد، تفقد العقل توازنه وإدراكه، أو تملك الفساد منه وأتلف كل خلاياه وتوغل بين أحشائه، وجعل المشاعر الحزينة تحتل النفوس وتضنيها، فاتبع ما بين ذالكما سبيلا.
أعصاب الإنسان رقيقة التكوين جدا وأقل شئ ممكن أن يؤثر فيها ومن ثم تنقلب للعكس في ثانية واحدة، ويساعدها الشخص نفسه بالإنصات إليها، وعدم تغيير الواقع والنظرة السوداء القاتمة للحياة، وتمني الموت والاستسلام للمصائب الواحدة تلو الأخرى، وقد يصاحب الجنون للإنسان منذ الصغر وراثيا، أو قد يكون ولد بهذا المرض، أو أصيب به على كبر، نتيجة عوامل عديدة خارجية، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر: كثرة العلم والتعمق الشديد في العقيدة والألوهية، والتفكير في أشياء لا قبل للعقل البشري بفهمها أو تفسيرها، فهذه الأشياء خاصة بقدرة الله "سبحانه وتعالى".
هناك أيضا بعض المعجزات التي خص الله بها أنبيائه ورسله دون غيرهم من البشر، الكوارث والظواهر الطبيعية من المسلمات، الشك وعدم القدرة علي الوصول لليقين. يظل هناك خيط رفيع جدا بين الرشد والجنون، فبدلا من أن نتعظ ونحمد الله على نعمة العقل والإدراك، ينتاب الكثيرين منها الضحك على المجانين وأفعالهم وحركاتهم، ولا تدري ماذا يخبئ لك القدر، فقد تصبح في يوم من الأيام مثلهم، أين العطف والشعور بمأساة هؤلاء، وعدم قدرتهم على فعل أي شئ، فهم محرومون من الإستمتاع بملذات الدنيا وتذوق طعم السعادة.
من ضمن الأسباب المؤدية للجنون أيضا ميل الشخص للوحدة والإنعزال، وعدم مخالطة الآخرين، والانخراط في المجتمع الذي يعيش فيه، والتأثير فيه والقدرة على التغيير بالقول أو الفعل أو الدعاء، واهمال الأهل وترك الأصحاب واتخاذ نفسه فقط الأنيس والجليس والصاحب الأمين. الحب الشديد للمادة ما أشرها على النفس، فهي تجعلك والعياذ عبدا لها دون الله "سبحانه تعالى" فهي وسيلة لتكملة المشوار، فلا تجعلوها غايتكم القصوى في الحياة، فالبخيل هو شخص به بعضا من صفات الجنون، فكما نضحك على أفعال المجنون، نضحك أيضا على أفعال البخيل، وحركاته المميزة والخوف الذي يتملكه، من فقدان الدرهم أو الدينار في غير موضعه الصحيح، وطريقته في العيش والحرص والتدبير.
الغربة أيضا تؤدي ببعض أصحابها إلى الجنون، القناعة كنز لا يفنى، المجانين لا يعيشون فقط داخل المستشفيات الخاصة بالأمراض العقلية، والبعض الآخر هائم في الشوارع، بل يوجد فيما بيننا المجانين الكثرين في حياتنا اليومية. فالغربة يختارها الإنسان بمحض إرادته، ولكن عندما يعيش بداخلها تفرض عليه فرضا لا مناص منها. أوجاع الغربة لا تضاحيها أوجاع، كأسها مذاقه مرا للشاربين، يتحمل فيها ما لا يتحمله بشر، هموم وبكاء وأمراض وكرامة ممسوسة، مهما بلغت في الغربة من مناصب ومادة وحياة كريمة، تظل كرامة الإنسان فقط شامخة في وطنه، حتى ولو في سجنونها، أكرم وأحب للنفس.
كل ما طالب بالحرية والكرامة والعدالة، ألقي به وراء القضبان، وعذب وشرد وتم نفيه أو خرج وصار فردا من المجانين، والبعض الآخر طبع الخوف على نفسه، وآثر السلامة لأهله، ورغم كل ذلك تظل التضحيات من أسمى المعانى، في سبيل نهضة الأمة بكاملها، الكثير في الغربة رجعوا إلى أوطانهم، وقد منحوا ألقاب المجانين، نظير ما عانوه وواجهوه وما حدث لهم هناك. يا فرحة الغربة سرقت العمر، وكانت المكافأة بالجنون طريقا مرسوما.
لا تحزنا يا وليدي أو يا بنيتي فقد حاولت، ورجعت لكم عليلا فسامحوني، يا ليت الطمع ما تملك مني، وأردت كتابة المستقبل المشرق لكم، مع أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" أخبرنا من كان لديه قوت يومه فهو غني، كنت أريد أن ترون كل شئ ملك لكم، بلا تعب كما تعبت أنا، وكنت على خطأ لأنه مع توفير كل شيء أحلام كاذبة، في زمن غادر يولد الكسل واللاوعي، والتواكل وعدم الرضا، يا ليتني أنشأتكم على الأخلاق والدين والعلم، ثم تبدأون أنتم حياتكم العملية، بسواعدكم والكفاح، والعمل والاعتماد على النفس.
آه على كثرة المجانين في الدنيا! عدم التقرب إلى الله والبعد عن الدين، والغوص في المعاصي والآثام، يجعل الإنسان بلا هدف في الحياة، فهي فارغة من المضمون والعمل، ومملوءة بالحزن والشقاء، العالم الغربي وانبهار الكثيرين منا بحضارتهم وتقدمهم ورقيهم، والتي هي أصلا مأخوذة من تعاليم ديننا الحنيف، وحضاراتنا القديمة تذهب بالبعض إلى الجنون، يا لفرحة المجنون سوف يفر من المحاسبة عن ترك مقدساتنا والتي تصرخ بالإستغاثة، وتئن تحت وطأة الإحتلال وتغتصب، أراضينا العربية والإسلامية تقذف بالقنابل والصواريخ، ومن قلدناهم مقاليد الأمور صامتين. على الحق شاردين، وحي على الجهاد للأسف أصماء، وعلى أجندات الغرب منفذين، لا يطيعون شعوبهم الأبية في تطلعاتهم، وإنما يطيعون خوارج العصر وأذنابهم في مؤامرتهم.
تحيا الأمم بأن يكون للشعوب الكلمة الطولى، لا بكيل المديح لبعضا من الأشخاص، وارتداء ملابس النفاق والرئاء والخداع، الصبر على البلاء والابتلاء معناه أنه له وقت معلوم للخلاص منه، لا مدعاة لزيادة أعداد المجانين، فالصبر هو البشرى بالحياة، وليس الموت، فمهما طال الظلم مرده إلي زوال، ويأتينا الأمل كل يوم في فجر الصباح، وشعاع الشمس، ونور القمر، في الظلمات إن شاء الله.

تعليقات
إرسال تعليق