شيء من النسيان

النسيان نعمة من نعم الله، لولاه لأثقلت قلوبنا الأحزان، حتى فاضت أرواحنا، بعد فقد الأحبة والأعزاء. وحده النسيان يخفف جراح القلب ويجعل الدموع تجف، فالإنسان كتلة من المشاعر مهما بدا صلبا كالصخر، لا بد أن يضعف ويبكي. بعد كل محنة قاسية، يحتاج المرء وقتا ليستعيد توازنه ويعود للحياة.


لكن هناك أشياء لا ينساها القلب أبدا: حب الله ورسوله، وحب الوطن ورفعته، والسعي لراحة أبنائه. فالوطن ليس مجرد حدود وأرض وماء، بل هو عائلة وأحباب، تاريخ وحضارة، كرامة وصوت مسموع، ودور في نصرة المظلومين وحماية المستضعفين.


النسيان هبة لتجاوز المصائب، لكنه إذا طال حتى يغيب الضمير، صار لعنة. حين ينسى الراعي رعيته، وتعلو مصالحه على مصالحهم، يزدهر الفساد وتنحني هامات الرجال، وتغيب الخطط والطموحات. تصبح الطاعة العمياء لأعداء الأمة، وتقييد الحريات، وطمس الحقائق، واقعا مريرا.


النسيان حين يصير غفلة دائمة، يفقدنا ذاكرتنا وواجباتنا، حتى نسهو عن رفع راية الدين أو إنقاذ أهلنا من المستنقعات. الخوف يحول الإنسان إلى ظل، أو دمية سهلة التحريك، بينما الحقيقة واضحة كالشمس. لسنا مع التأييد الأعمى ولا المعارضة الجوفاء، بل مع طريق الحق.


قال الله تعالى:
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}


 خلق الله الإنسان ليتدبر، لا ليستسلم، ولا ليرفع راية الاستسلام. فلا تتركوا عقولكم رهينة بأيدي غيركم، بل انهضوا، واخلعوا ثياب العبودية، وثقوا بالله.


الغربة ليست حلًا دائما للنسيان، والمال وحده لا يهب السعادة. ارجعوا، فالدين يناديكم، والوطن يبكيكم، والقلوب تدعو لكم، والجبال والبحار شاهدة عليكم. لا تجعلوا دماء الشهداء تذهب هباء، ولا تتركوا الطغاة يظنون أن المعادلة قد انقلبت.


اتحادكم قوة تزلزل عروش الظالمين، وكلمتكم سلاح، ودعاؤكم شوكة في أعينهم. هناك فرق بين الصبر والنسيان؛ فالصبر قوة، أما النسيان المتعمد فخيانة للذاكرة. انتظروا لحظة الغضب القادمة، أو اشعلوها أنتم، فالمعركة لا يحسمها إلا أصحاب النوايا الصادقة.


ولا تخافوا على أهلكم وأولادكم، فقد استودعتموهم عند الله، وهو خير الحافظين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين تنهك الهموم أرواحنا: رحلة الألم والصمود

الشاعر مصباح المهدي… حكاية أمل لا تنطفئ

حكايات هارب في الغربة