البحث عن الهوية وسط الركام
لقد تنازل كثيرون عن هويتهم بمحض إرادتهم، وما أقسى أن يعيش الإنسان بلا هوية. استوردنا من الغرب ثقافته وقيمه، الصالح منها والطالح، وكأننا فقدنا البوصلة. الحروب لا تكون بالسلاح وحده؛ فالحروب الفكرية أشد تدميرا، وأقل تكلفة، وأسرع أثرا. ومع ذلك، انشغلنا بالمظاهر واعتقدنا أن التقليد الأعمى هو طريق التقدم، حتى غابت العقول وسط ركام الفتن، وعميت الأبصار عن إدراك الحقيقة.
أول ركائز هويتنا هو التمسك بلغتنا العربية؛ تراثنا الخالد وكنزنا الثمين الذي يخشاه أعداؤنا. هذه اللغة العريقة التي صمدت أمام رياح التغيير، لغة الضاد الشامخة، لغة القرآن الكريم ولسان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. بينما تحرفت لغات العالم وامتزجت حروفها وتغيرت ألفاظها، بقيت العربية محافظة على أصالتها منذ العصر الجاهلي وحتى اليوم، تحتفظ بفصاحتها ورونقها وكأنها تاريخ ممتد لا يشيخ.
ومع ذلك، تركناها وسط الركام، واتجهنا إلى لغات الغرب التي يقدمها المستعمر على طبق من فضة، لا حبّا بنا، بل ليقودنا حيث يشاء. فلكل لغة عادات وتقاليد راسخة، وحين نتخلى عن لغتنا، نتخلى معها عن قيمنا وهويتنا. تعلم لغات الآخرين أمر محمود إذا كان في سبيل العلم والمعرفة، لا في سبيل الذوبان في ثقافتهم. نأخذ منها ما يفيدنا ويتماشى مع ديننا، ونرفض ما يتعارض مع مبادئنا.
لقد ألبسنا الغرب لباسه، وأطعمنا طعامه، وسقانا فكره، وسعى إلى تمكين ولاة مطيعين له، يقمعون شعوبهم ويحرموهم من أبسط حقوقهم. وأصبح الحكم في مدننا بيد فاسد أو خائن أو كاذب أو ضعيف العقل، فيما يزداد الناس ابتعادا عن هويتهم العربية والإسلامية.
لا تنسوا أن الحضارة الإنسانية ولدت في أرضنا منذ آلاف السنين، بينما كان الغرب غارقًا في الجهل والمرض. نهضوا بعلومنا ومعارفنا، ثم أرادوا أن يعيدونا قرونا إلى الوراء، عبر تقسيمنا وبث الفتن والحروب الأهلية. وحين تخمد نارها، يعيدون إشعالها. هم يبنون أوطانهم بسلام، ويجعلون بلادنا أرضا للخراب. إنها حرب شاملة على الإسلام والمسلمين، لأن الإسلام هو عدوهم الأول.
لقد غيبنا عقولنا ولهثنا وراء حضارة غربية ظاهرها براق، وباطنها القضاء على أي نهضة لنا. لكنهم لن ينجحوا، فكما ساد الإسلام من قبل ورفع شأننا، يمكن أن يعود مجددا. ما يسمونه “قيم الغرب” من عمل وأخلاق ونظام، هي في الأصل مبادئ الإسلام التي أهملناها.
لقد انقلبت الموازين، فأصبح الشريف متهما، والظالم حاكما، واللص مكرما، والبريء سجينا. الكرامة تطعن بلا حساب، والأحلام تموت قبل أن تولد. ومع ذلك، فالأمل موجود، يشق طريقه عبر الظلام، وسيصل إلى النور بإذن الله، رغم أنوف الفاسدين. وعندها، سينتصر الحق، وتعود العزة لأمتنا، ويشرق فجر الهوية من جديد.

تعليقات
إرسال تعليق