الشوق
هو عنوان للحب، وربما أصدق دلائله وأوفى أصدقائه. إحساس يسكن الإنسان ويتواصل معه، سواء كان القريب على مقربة أو بعيدًا خلف المسافات. إذا كان القريب قريبا، ترقبه اللحظة ويزهر اللقاء في الخيال، وإن كان بعيدا، يتحول الحلم به إلى نسيم ينعش القلب ويحيي الحنين.
الشوق إكسير حياة، يبدد الهموم، ويمنح لحظة صفاء وسط الغبار، كالمطر الذي ينبت المشاعر من جديد. له ديون معنوية قبل المادية، أوشكت على السداد. في بريق العيون، وصدى القلوب، ولمسة الأيادي، وهمس الآذان، يكمن عذابه ولذته، وتختبئ نشوته بين حبال الصبر.
لكن بين دفء الحبيب وحرارة اللقاء، هناك شوق أعظم وأطهر… شوق الأوطان. فالوطن الذي كان بين الأوطان مرموقا، مزقوه ومزقوا أخلاقه، وزيفوا تاريخه، وبدلوا جغرافيته، وغيبوا عقول أهله. كيف يعيش وطن بلا شمس، وإن أنارت القمر ليله فهو منة من الله ورحمة؟
تضعف المناعة بين المرارة والصبر، لكن يبقى الأمل. فما أجمل شوق الأوطان، ولولاه ما وُلد شوق الحبيب. الشوق والأمل متلازمان، كالحق والعدل، يصدران كسهم يوقظ القلوب، ويهز مضاجع الظالمين.
اليوم، صارت الأخلاق تباع في المزادات، والفقر يزداد، والجبن يكسو الوجوه، والشجعان يتوارون، بينما يتجرأ الصغار على الكبار. دموع العيون فاضت حتى أغرقت المحيطات، والموت صار أمنية للمنكسرين، والدعاء هو الملاذ الأخير.
أحمل حزني على المحرومين، وأمضي في قطار العمر نحو محطاته الأخيرة، تاركا أثرا من ود ومحبة، وذكريات في كل مكان مرّت به قدماي. أبحث بين الحدائق المهجورة عن وردة تعيد الأصيل وتبشر بالخير، لكن كثيرا من الأحلام صار سرابا، وكثيرا من الطرق صارت محفوفة بالخطر.
لقد قتل الإنسان نفسه بحب الدنيا والتعلق بها، فما الفائدة إن حزن حتى أقعده الحزن، أو أثقلته زكائب الهموم حتى انحنى ظهره؟ كم من روح توجعت حتى أزهقت أنفاسها الأخيرة!
لكن لا ملجأ من الله إلا إليه، وبشر الصابرين، وكفى بالله وكيلًا وحسيبًا ورقيبًا. اللهم ارفع همومنا وغمومنا، وطهرنا من كل ظالم، وأحسن خاتمتنا يا رب العالمين.

تعليقات
إرسال تعليق